كل ردود الأفعال العربية على ما يجري في غزة، متوقّعة؛ الاجتماع الوزاري، الدعوة إلى قمّة عربية، التظاهرات التي تحرق الأعلام والإطارات، التصريحات النارية، الدعوة إلى الجهاد، والتوعدات برد ( مزلزل ) للعدوان الذي دمّر البنية التحتية للمقاومة الفلسطينية، وقتل المئات وعوّق الآلاف، وشرّد ما هو أكثر من ذلك من أبناء غزة .

كلها متوقعة، وكلها بلا معنى ! فما معنى أن يجتمع وزراء الخارجية العرب فطالما اجتمعوا بلا فائدة، وما جدوى القمم العربية، ولم يثمر أي من اجتماعاتها السابقة . وما جدوى أن نحرق الأعلام وإطارات السيارات وغزة تحترق والدخان يتصاعد من الصدور والمباني !

تأملوا؛ يُحرق علم دولة معادية، ونحن نتطلع عبر الشاشات إلى تحوله إلى رماد، وسحق الرماد بالأرجل، وما يرافقه من تهليل وتصفيق وأهازيج وشعارات فارغة ضيّعت علينا ستين عاما من الأمل الكاذب، ونذهب راضين بأننا أنجزنا موقفنا الثوري كما ينبغي، دون أن نحقق لنا إنجازا ذا معنى، غير رماد ستسحقه الأرجل بعد دقائق .

أبهذه التصرفات نوقف العدوان الدموي على أرضنا أم بالطروحات التي تضحك علينا العالم وتجعلنا هزأة أمام الأمم قبل أن تضحك علينا تسيبي لفني، ضحكنا على أنفسنا من انتفاخ أوداجنا بالدعاوى الفارغة، والوعود التي كنا، ولم نزل، نعرف أنها كلام لا ينتج معنيً، ولا يفضي إلى نتيجة ، سيقال إنه ( جلد الذات)؛ وما عسى أن يكون غير ذلك ! فها هي ستون عاما حافلة بالوعود والمؤتمرات والمواجهات التي تستنفد منا طاقاتنا، وتحشو أيامنا بالآمال الكاذبة، وتجعلنا في دوّامة من الحيرة التي تعمُر حياتنا بانتظار ما لا يُنتظر .

(جلد الذات). من هو الأحق منا بهذه الحقيقة ونحن لا نملك غير الحزن على ما مضى، والبكاء على الأطلال كما كان لشعرائنا قبل أكثر من ألف سنة، مع فارق كون بكاءهم غير بكائنا، فهم بكوا لفراق حبيب، ونحن نبكي لحيرة أمّة لا تعرف دربها، رغم كل ما اكتنف تاريخها من مصائب وتجارب وانهيارات في معطيات العقل وفي السلوك .

حرائق غزة ودمارها، هو حريق لعقولنا، ودمار لكل القيم التي نتشبث بالحفاظ عليها، دون استخدام للبوصلة التاريخية التي تدلنا على الطريق ، هل يكفي أن نجلد ذواتنا بهذا الشكل الساذج الفقير لنقول إننا في دائرة الصحوة التي يتطلبها واقع الحال لا شيء يوحي بأننا في واقع الحال .

نحن في واقع آخر؛ واقع الاسترخاء والاستسلام لما يخططه لنا من لا وعي لهم بحركة التاريخ، ولا قدرة لهم على فهم الواقع واستشراف المستقبل والتحضير لما يتطلبه منا . الحيرة الموجعة، بل القاتلة، هي أننا لا نعرف من أين نبدأ؛ فالقطيعة قائمة بين أرباب الفكر الذين يُفترَض أنهم يقوّمون مسار حركة التاريخ، وبين من يتولون تحديد ذلك المسار من أرباب السياسة والقيّمين على سياق الأمور .

غزة اليوم تعرّينا من ثيابنا ذات الماركات الشهيرة ، ويعانق بعضنا بعضاً، ونتبادل الأنخاب، ونتفق على أمور لا تعرف ما هي غزة، ولا أين تقع، وما هي مشاكلها؛ وغزة نفسها لا تعرف هؤلاء المتطفلين على أحزانها وأوجاعها ومحنتها التي تعبث بها أهواء الساسة من ذوي الأزياء العصرية التي تتوهج في المناسبات.

وتنطلق فيها الخطب الحافلة بنوافل الكلام، والخالية من الحد الأدنى لاحترام اللغة الفصيحة، واحترام عقل المستمعين، ولوعة أبناء غزة، وعمق مأساتهم التي تتبارى بها الفضائيات العربية باعتبارها من ( الأخبار العاجلة ) ، وليس من أخبار ما يهز الأرض ويربك الحقيقة ويرهق الضمير .

غزة اليوم تتنفّس دخان الحرائق، ونحن أيضا نتنفسها، ونختنق كما تختنق، وتقاوم الموت الزؤام، وليس بيننا وبينها غير أن نجلد ذواتنا على هذا العار الذي وضعتنا فيه غزة الصابرة، وكشفت لنا عن تلك البطاريق التي تتهادى في أروقة المنتديات، بآخر منتجات الأزياء . ( جلد الذاات)؛ ونحن أولى به . وعلى رخص ثمنه نقدمه تحية واعتذارا لغزة .

mohammed_saggar@yahoo.fr