في 30 سبتمبر من العام 2000، قتلت نحو 12 رصاصة إسرائيلية الطفل «محمد الدرة» في مشهد من رعب «الهرمجدون» التوراتي سجلته عدسات المصورين بتسلسله الدرامي وبكل وضوح.

وفي 7 مايو 2001، قتلت نيران دبابة إسرائيلية طفلة فلسطينية رضيعة لم تكمل خمسة أشهر من عمرها هي الشهيدة «إيمان حجو» التي خرجت أحشاؤها من ظهرها بفعل شظية قذيفة دبابة إسرائيلية وهي في حضن أمها في مخيم خان يونس. ويوم 29 ديسمبر 2008 لم تستثن النيران الإسرائيلية خمس فتيات شقيقات وأمهن في مخيم جباليا في غزة فحصدتهن وشاهد العالم بأم عينه الشقيقات الشهيدات وأصغرهن الطفلة «جواهر» مسجيات في صورة لن تهتز لها ضمائر جنرالات إسرائيل وسياسييها لسبب وحيد هو أنهم مجرمون محترفون وساديون بامتياز. ولن تهز أيضا أي ضمير في دهاليز البيت الأبيض كالعادة.

لكن من يتعين أن يتوقف قليلا ليراجع شيئا من أوهام رائجة هم الفلسطينيون. أقولها بألم مضاعف لان نصيحتي كانت منذ سنوات واحدة للمتقاتلين والمنقسمين اليوم: (فتح) و(حماس)، ولحماس بالتحديد. الإسرائيليون لا يهمهم من يقود الشعب الفلسطيني، وليسوا معنيين بشكل الدولة أو السلطة التي تحكمهم إسلامية كانت أم علمانية، لا يهمهم الزعيم الذي يقود الفلسطينيين أكان الراحل ياسر عرفات أم خلفة أبومازن أم الشهيد أحمد ياسين أو الراحل جورج حبش أو نايف حواتمة.. ما يهمهم ويؤرقهم هو الحيلولة دون قيام دولة فلسطينية.

ومن أجل هذا الغرض لن يعدموا وسيلة لمنع أجهزة الدولة من النمو والوسائل لن تتوقف: حرب أهلية وقد نجحوا فيها بسبب ضيق أفق الفرقاء الفلسطينيين، الاجتياحات وقد أقدموا عليها أكثر من مرة، محدودة وشاملة. فهذا هو اجتياح غزة في 2008 يذكرنا بالضبط باجتياح الضفة في 2002. الفارق ست سنوات لكن التفاصيل هي نفسها والسيناريو هو نفسه: طرف فلسطيني يقاتل ويتلقى الضربات وطرف آخر محايد.

أين كانت الضربة الإسرائيلية الأولى هذه المرة؟ على مراكز الشرطة في غزة، حسنا ارجعوا إلى الأرشيف وتذكروا كيف كانت بواكير الضربات الإسرائيلية منذ قيام السلطة الفلسطينية مركزة دوما على مراكز الشرطة الفلسطينية في الضفة والقطاع. ماذا يعني هذا؟ الشرطة لم تكن معنية بالعمليات الاستشهادية، لا ل«كتائب الأقصى» أيام الراحل عرفات ولا ل«كتائب القسام» في ظل حكومة حماس، لكن المدلول واضح: إضعاف مستمر لأي سلطة فلسطينية (بحسبان أن لدينا مثالين للسلطة الآن)، والهدف المعلن الآن هو ضرب حماس وتصفيتها والهدف النهائي في كلا الحالين كان ويبقى دوما: جعل القيادة الفلسطينية دوما في حالة اقل من السلطة المنظمة القادرة على النمو وأقرب إلى تنظيم مهلهل.

فعلوا ذلك بالتدريج مع السلطة الفلسطينية في ظل عرفات إلى أن توجوا ذلك باجتياح جنين 2002 وشلوا السلطة وأضعفوها وحاصروا عرفات في مقره حتى تسميمه وقتله. عندما انتهوا من ذلك، التفتوا إلى (حماس) فقتلوا الشهيد الشيخ احمد ياسين ومن بعده الشهيد عبد العزيز الرنتيسي. علام يدل هذا كله؟. هل يدل على مفاضلة من نوع ما لدى الإسرائيليين بين فصيل فلسطيني وآخر؟ بين زعيم وآخر؟ اكبر الأوهام التي راجت منذ أن بدأ الشقاق الفلسطيني هو أن إسرائيل تفضل ابومازن على حماس.

سأقول بتأكيد جازم و(بمحبة أيضا للجميع) أن أبومازن بكل علامات الضعف المحيطة به قد يكون أخطر بالنسبة للإسرائيليين. نعم يحتاج الإسرائيليون لمن يؤلمهم ويذكرهم بأن هناك قدرة على الرد والإيذاء لدى الفلسطينيين أيضا مثلما تفعل (حماس)، لكن هذا الخيار وحده لن يكون كافياً، بل سيكون اكبر هدية تاريخية يتلقاها الإسرائيليون لكي يعيدوا لمجتمعهم المتداعي والمذعور لحمته التي فقدها منذ سنوات. تحديدا منذ العام 1994.

السلام هو ما يخيف الإسرائيليين وليس الحرب، وقد يكون النقاش مفتوحا حول سبل دفعهم إلى السلام، فالمفاوضات وحدها أيضا لن تكون كافية، لابد من الضغط والإرغام إذا تطلب الأمر وهذا ما كان عرفات يقوم به بل ويجيده. وهذا بالضبط ما جلب له كراهية لا حد لها من قبل الإسرائيليين فقاموا بقتله بتسميمه.

العبرة واضحة في كل ما يجري، على الفلسطينيين أن ينهوا هذا الانقسام الذي أوصلهم إلى لحظة ضعف غير مسبوقة في تاريخهم، وهو ما يتطلب تضحيات من كل طرف. وأيا كانت الخلافات بينهم، فان حماس (بكل أخطائها) رصيد لفتح وللنضال الفلسطيني، وفتح والسلطة (بكل أخطائها) رصيد لحماس وللنضال الفلسطيني، وليس للشعب الفلسطيني من رصيد استراتيجي سوى وحدة الطرفين بخياراتهما.

لكن الوحدة أمر مختلف عن التقاسم والمحاصصة: كم منصبا لكم وكم منصبا لنا؟ ومن هو الأكثر جماهيرية ومن هو النخبوي؟ وكم حصتنا هنا وكم حصتكم هناك ولمن الكلمة الأخيرة في الأجهزة العسكرية ومن عليه الطاعة؟ هذه ليست وحدة بل أنانية وضيق أفق ترفضه كل مقاييس النضال من اجل التحرر وبناء دولة مستقلة. حجر الزاوية هنا هو أن جميع الفصائل الفلسطينية ومن بينها (حماس) تقبل منذ العام 2006 على الأقل بخيار إقامة دولة فلسطينية على حدود الرابع من يونيو 1967.

إذا ليكن هذا هو الأفق ومن اجل الوصول إليه يتعين رسم الأدوار ومزاوجتها جيدا ما بين المفاوضات والضغط. ثمة الكثير ليقال في ظل هذه المجزرة الصهيونية الجديدة بحق الشعب الفلسطيني، لكنني أحسب أن نقطة البداية هي الوحدة الفلسطينية المفقودة. لقد أظهرت شعوب العالم من جديد إحساسها وقدرتها على التمييز بين الضحية والجلاد. الأمل أن لا ترد الضحية بنفس وسائل الجلاد ولا تستدرج لهذا الفخ الأخلاقي، لكي لا تذهب سدى دماء الدرة وحجو وجواهر وشقيقاتها وأمها وكل الشهداء.

كاتب وصحافي بحريني

m.alobaidley@gmail.com