لا أظن إن أيّاً من كتابنا يستطيع المرور على ما يجري في غزة من مشاهد مؤلمة مرور الكرام. فالمجزرة التي تقوم بها القوات الإسرائيلية ضد أبناء هذا القطاع العزل، والتي يشاهدها العالم أجمع على شاشات الفضائيات، لا تترك مجالاً إلا تناول هذا الموضوع.
إن القصف الوحشي الذي تتعرض له غزة في تصعيد إسرائيلي خطير بدأته قبل أيام تريد منه أن لا يمر هذا العام دون أن تغير تركيبة الحكم القائمة في هذا القطاع الذي انسحبت منه مرغمة والتي باتت تخنقه بحصار منذ ذلك الوقت بحيث أصبح الشعب الفلسطيني يعيش فيه بسجن كبير!!، لقد رمت إسرائيل الكثيرين في غياهب سجونها بدعوى أن هؤلاء مسؤولون عن الإرهاب.
ثم أرادت ألا ينتقم الآخرون لهؤلاء بصواريخ بدائية نرى أنها تؤذي الشعب الفلسطيني أكثر من إيذائها لإسرائيل ومستوطناتها القريبة من قطاع غزة!! إن هذه الصواريخ على بدائيتها وقلة مفعولها هي الوسيلة الوحيدة للقوى الرافضة للخضوع بل للخنوع للشروط الإسرائيلية، بعد أن أقفلت جميع المنافذ التي يستطيع منها الرافضون شن عمليات فدائية ضد إسرائيل، ومنها مناطق السلطة الوطنية في الضفة الغربية!!
والمحزن المبكي أن تصل الخلافات بين الأشقاء حداً بحيث يتم اعتقال البعض منهم للبعض ويرمى في سجون إخوته وأبناء عمومته، وظلم ذوي القربى أشد غضاضة على النفس من وقع الحسام المهند!! وبالطبع، تمتلئ نفوس الإسرائيليين فرحاً ويرقصون طرباً من هذا الشقاق الواقع في البيت الفلسطيني!!
ومع اختلافنا مع حماس في رؤيتها السياسية والفكرية، بيد أننا نرفض أيضا وبشدة الشروط الإسرائيلية ونهج الاستسلام الذي تحاول فرضه على الجميع وكأنها حققت كل أهدافها الاستراتيجية، وأصبحت لا تقيم للعرب وزناً اللهم إلا تلك اللقاءات المراد منها الكسب الدعائي تفادياً أو تخفيفاً للضغوطات الدولية، إن إسرائيل في هذه المرحلة تعتقد بأنها يجب ألا تتنازل للعرب لأن هؤلاء لم تصبح لديهم أوراق ضغط، وليست ثمة سوابق تاريخية تنازل فيها القوي - بعز قوته ؟
للضعيف في أوهى درجات ضعفه، وبالتالي ففي الوقت الذي تقوم فيه بالتفاوض الدعائي مع السلطة الفلسطينية تتوسع في مستوطناتها وهي ماضية قدماً في تهويد القدس، بل إنها تفكر كما نطقت بذلك وزيرة خارجيتها ليفني بطرد الفلسطينيين الذين ظلوا منذ نكبة عام 1948 تحت احتلالها، طرد هؤلاء إلى مناطق غزة والضفة الغربية!!
ومن الحقائق المؤلمة هذا العجز العربي والدولي عن إيقاف العدوان الإسرائيلي حيث تستخدم فيه الطائرات الحربية من شتى أنواع «الإف» والسمتيات من نوع أباتشي الأميركية والسلاح البري والبحري ضد شعب لا يمتلك إلا صواريخ بدائية يحاول بها مقاومة محتل لبلده وغاصب لأرضه ومشرد له في كل الأصقاع.
وقد أثبتت هذه الصواريخ على بدائيتها وقلة مفعولها التدميري، إنها سلاح يربك الحياة في مستعمرات إسرائيل القريبة والمحيطة بقطاع غزة المحاصر، وهي مشروع قد يتطور ليهدد مستعمرات ومدنا في العمق الإسرائيلي، مما يعطي الفلسطينيين شيئاً من الوزن في محاولتهم الوصول إلى اتفاقيات سلام مع الإسرائيليين.
الفصائل والمنظمات الفلسطينية العديدة لا تريد أي سلام مع إسرائيل بشروط إسرائيل المعروفة، والتي ترفض العودة إلى أوضاع ما قبل الخامس من يونيو للعام 1967 وتتشدد بالذات في مسألة القدس وعودة اللاجئين، التي ستكون حقاً نظرياً أو حقاً معنوياً أكثر منه حقاً واقعياً في عملية سلام شاملة!! إن إسرائيل القوية تريد أن تفرض شروطها، لأن لا شيء يجبرها على التنازل، والمقاومون الفلسطينيون يعتقدون بأن إسرائيل لن تعطيهم شيئاً دون أن تجبر على ذلك بوسائل الضغط المعهودة ومنها المقاومة بكافة أشكالها.
وقد أثبتت المفاوضات التي ابتدأها ياسر عرفات صدق وجهة نظر هؤلاء، حيث إنها لم تؤد إلى قيام دولة فلسطينية تحترم إسرائيل حدودها وتلتزم بتعهداتها، فإسرائيل تقوم كل يوم بتوسيع مستوطناتها، وبقضم الأرض العربية وبعملية تهويد للقدس، والتهديد حتى بطرد عرب ال48 من ديارهم!!
المطلوب تضامن عربي واسع مع الشعب الفلسطيني في محنته هذه، ولن تستطيع إسرائيل أن تحقق أهدافها حتى لو أعادت احتلال القطاع، فثمة شعب له مطالب وحقوق واضحة وعادلة وهو سيناضل من أجل تحقيقها بكل الوسائل، كما تبيح بذلك جميع الشرائع والنظم الدولية!!.
