سارت قمة مسقط سيرها الهادئ، والمتعقل وذلك بفضل حكمة واقتدار رئيس الدورة حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ وتجاوب أخوانه القادة مع رؤاه الثاقبة، رغم حالة الشحن العاطفي التي سببتها الغارات الهمجية من جانب قوات الاحتلال الاسرائيلي على الشعب الفلسطيني في غزة.
ففي وسط الأزمات يتطلب الامر التمسك بالروية وعدم الانفعال بالاحداث الطارئة حتى يحقق العمل السياسي الجماعي المشترك لدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية غاياته ويتعاطى على النحو الأمثل مع هموم الانسان الخليجي والعربي أيضاً.
وكان واضحاً من خلال البيان الختامي الذي أصدره اصحاب الجلالة والسمو قادة دول المجلس في قمتهم التاسعة والعشرين التي اختتمت امس أن القادة لم يغفلوا بنداً يجدون فيه مصلحة خليجية سواء على المستوى الاقتصادي أو الأمني أو الاجتماعي أو الثقافي والإعلامي، من خلال بحث التقارير المرفوعة من المجلس الوزاري حول الانجازات التي حققتها مسيرة المجلس منذ الدورة الماضية على المستوى المحلي والاقليمي والعالمي.
إن المجلس في أدائه لمهامه الجسيمة هذه لم يكن على استعداد للتفريط في حقوق وسيادة أعضائه تحت أي ضغط من ضغوط المسيرات التفاوضية مع الدول الاخرى، فله أولويات وثوابت كلها تتمحور حول مصلحة الانسان الخليجي وتأمين حاضره ومستقبله، ومن الصعوبة بمكان أن يستطيع المرء سلخ النطاقات عن بعضها، بل نجد تداخلاً بين الأهداف والمرئيات ما بين الاقتصادية إلى الأمنية إلى الاعلامية إلى قضايا الخدمات والانتاج بشكل عام فبرامج التنمية لابد لها من اطار امني يحميها ممثلا في قوات درع الجزيرة وتطوير آليات الدفاع المشترك والذي بدوره قد يمتد إلى قضايا حماية البيئة التي بدورها تخدم صحة المواطن الخليجي وتؤمن عيش أبنائه.
وقمة مسقط لم تغفل أهمية التنسيق مع دول الجوار والدول العربية الشقيقة والمنظومة الدولية بوجه عام حول الظواهر المؤثرة في مسيرة المجلس بإعتباره جزءاً في هذه المنظومة وبخاصة ما يتعلق بالتضخم وارتفاع الاسعار ثم الازمة المالية العالمية وانهيار الاسعار واسعار الطاقة على وجه الخصوص. حيث أن مسارات التعاون التنموي تمر من خلال تمويل مشروعات تنموية في دول المجلس والدول الشقيقة الاخرى أيضاً.
ويظل المستوى جرحاً نازفاً، فالعدوان الغاشم الذي تشنه اسرائيل منذ اربعة ايام على قطاع غزة يثير الحنق والغضب ومن ثم عبرت القمة عن بالغ القلق وعظيم الاستياء من هذا العدوان السافر وما يترتب عليه من دمار وضحايا. مما يجعل التمسك بأسس عملية السلام والمبادرات المطروحة بشأنها، والتأكيد على القرارات الدولية كأسس وثوابت مثل قرارات مجلس الأمن المختلفة ذات الصلة، فالشرعية الدولية هي السبيل إلى تنفيذ الهدف الخليجي والعربي الذي هو اعتبار السلام خياراً استراتيجياً ليس على مستوى الملف الفلسطيني وحده إنما في كافة الملفات التي تشكل هاجساً عربياً مستمراً.
إنها اقصى حدود الالتزام بالمسؤولية الجماعية، وأقصى حدود الوعي بالارتباط الوثيق والحتمي بين سبل ضمان استمرارية التنمية في الخليج وحتمية التواصل مع الدوائر الاقليمية والعربية والدولية لتحقيق الأهداف المرجوة، نعم.. المسؤولية الجماعية والارتباط مع العالم هما السبيل إلى توفير الشعور بالطمأنينة على مستقبل المسيرة الخليجية من أجل رفاهية الانسان الخليجي حاضراً ومستقبلاً
