يتساءل الكثير من الأوروبيين الذين نلتقي بهم، عن درجة اهتمام المنطقة بالأزمة المالية العالمية، كما ويتساءلون كذلك عن حجم التأثيرات التي باتت الأزمة تحدثها على أوضاعنا الاقتصادية، وإذا ما قد بدأنا نستشعر بمصاحباتها الاجتماعية ولربما السياسية..فالفضاء الأوروبي المفتوح يسمح بدرجة عالية من الشفافية وتبادل المعلومات وهو أمر قد لا يكون ممكنا في مواقع كثيرة من عالمنا العربي.
و في الواقع فإن ما هو متاح عن هذه التأثيرات لا يخرج عن تلك التي تأتينا من الصحافة أو المصادر الغربية. وحجم الحديث الرسمي عنها لا يعدو أن يكون حديث التطمينات: «فمتانة اقتصاداتنا لم تؤثر فيه الأزمة» أو «إننا مازلنا بعيدين عن تأثيراتها السلبية» أو «أن حجم تأثيرات قد أصابنا ولكن بحجم ضئيل».
ومن يطلع على التقارير الاقتصادية الدولية يعرف أننا لم نر من الأزمة إلا قمتها وقد يكون القادم أعظم وأضخم. وأن تأثيراتها الاقتصادية يمكن الشفاء منها وأن يستعيد بعدها الاقتصاد نشاطه بشكل جزئي أو شبه كلي بعد بضع سنين، إلا أن تأثيراتها الاجتماعية لن نستعيد الشفاء منها سريعا ولن يتم ذلك إلا عبر برامج وسياسات اجتماعية لا ينقصنا فحسب الحديث عنها وإنما ينقصنا كذلك حتى التفكير فيها بشكل عام.
وأقول أن النزعة الميكانزية الجديدة والتي استوت على إدارة الدولة في الولايات المتحدة الأميركية وبعض الدول الأوروبية والتي قادت إلى ما قادت إليه في الاقتصاد الأميركي والعالمي، ما زال البعض منا مفتونا بها رغم كارثية الحدث ومصاحباتها الموجعة اقتصاديا واجتماعيا.
وهو حدث رغم لغة التطمين التي سمعنا الكثير منها منذ انفلات الأزمة حتى الآن، قد بدأت أثارها تصيب الاقتصادات المغلقة منها والمفتوحة. وقد بدا الحديث في هذه المجتمعات عن كيفية مواجهة هذه التأثيرات ليس فحسب من حيث تأثيراتها الآنية المباشرة على معدلات البطالة والنمو الاقتصادي وإنما عن كيفية معالجة أية مصاحبات اجتماعية وسياسية مرتقبة.
فليس بخاف أن الاضطرابات السياسية التي باتت تعيشها اليونان أحد أكثر الدول الأوروبية تلكؤا من حيث النمو الاقتصادي والتي لم يكن مقتل الطفل المراهق إلا شرارة الانفجار التي كان يختمر فيها بفعل فشلها كدولة في حل مشكلاتها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية الناجمة عن الولوج في السوق الأوروبية المشتركة وصعوبة تكيفها مع متطلبات العولمة.
من ناحية أخرى فليس بخاف على المتتبعين أن سنوات الصعود الاقتصادي في الهند والصين مثلا، قد صاحبه صعود كبير في حجم الطبقة الوسطى فيهما.هذا الاتساع الذي قدرته إحدى الدراسات بزيادة وقدرها 150 مليونا في حالة الهند من حيث عدد الأفراد، إلا أن التباطؤ الاقتصادي الذي أحدثته الأزمة المالية، وخروج بعض الرساميل منهما.
كما هو تقلص حجم تبادلاتهما التجارية مع دول العالم: في أوروبا وأميركا والخليج بات يقضم بقدر موجع ليس فحسب من حيث الإنجاز الاقتصادي وإنما من حيث تأثير كل ذلك على النسيج الاجتماعي والبناء السياسي. وباتت بعض إرهاصات أثاره تتمثل في تلك الاضطرابات العمالية والمشكلات الاجتماعية المترقبة والتي لا يمكن مواجهتها بمدخل أمني فحسب وإنما من خلال مصفوفة من السياسات والبرامج الاجتماعية المختلفة.
كما من المتوقع أن تخسر الولايات المتحدة الأميركية أكثر من 200 ألف وظيفة من وظائف قطاع الخدمات الجديدة وأن يرتفع فيها معدل البطالة من 6% إلى ما قد يفوق 8% عام 2009، كما مقدرا أن ترتفع معدلات البطالة في أوروبا من4,7% إلى ما قد يتجاوز 10% وبعضهم قد قدرها بحوالي 15%.
وأن دولا بعينها كأسبانيا، وهي من الدول التي نما فيها القطاع الخدماتي سريعا على مدى السنوات العشرين الماضية بفعل الاستثمارات الخارجية فيه، فإن معدل البطالة فيها مرجح للقفز من 10% إلى 15% بين عامي 2008 و2009. وأنه قد يكون مطلوبا التقليل من برامج «الإصلاح الاقتصادي» ذات الطبعة الأميركية التي يقودها الرئيس ساركوزي، تفاديا لاضطرابات مشابهة لاضطراب الضواحي المشهور قبل بضع سنوات.
و بخلاف كساد الثلاثينات الاقتصادي والذي تضررت منه الطبقة العاملة في القطاعات الصناعية المختلفة، فإن الأزمة المالية الآنية بدت موجهة بتأثيراتها نحو الطبقة الوسطى الجديدة التي اتسع هامشها في الكثير من المواقع في العالم بفعل النمو غير العادي لقطاع الخدمات في أميركا وأوروبا وفي الكثير من المواقع في العالم.
إن استمرار التدفق لهو أمر ضروري ليس فحسب للصعود الاقتصادي وإنما «لإحياء رأس المال» و«إن منع أو حد من هذا التدفق يعني السماح بتداعي الأشياء». فالحد من الإقراض وخروج هذا الأمر قبل ذلك عن الضوابط والشفافية قد قاد في حالتنا الآنية إلى قدر غير عادي من الفوضى الاقتصادية، ونحن في إجراءات تدوينا للداء نسمح بخروج الكثير من المتداولين من السوق.
ولكون نشاطنا الاقتصادي في رمته معتمدا على تدفق العائدات النفطية، والتي قد لا يكون أمر حجب تدفقها قائما، إلا أن شدة هذا التدفق أو تقلصه كما هو المتوقع الآن، سيحد من التوسع في المشاريع أو تنفيذها أو تنفيذ جديدُها، وما قد سمح به من إنفاق بذخي في السابق قد لا يكون كذلك الآن، مما سيفرض على البعض الخروج المبكر من السوق، فالأضعف هو الأسبق في الخروج.
وهو خروج قد يهوي بالأسعار في القطاعات المضاربية وسيُخرج أناسا كثر من سوق العمل. أناسا قد تضخمت حاجاتهم بفعل تضخم حجم التداول وفقاعة الأرقام. والعودة للحالة الطبيعية تحتاج لعلاج جديد يصيب البرامج في أطرها المؤسسية ويصيب العقول القائمة على إدارة الأمر ويصيب سلوك الأفراد والجماعات، فهل نحن قادرون على فعل ذلك؟.
كاتب بحريني
