انتهى عام 2008 بأيامه وشهوره كتاريخ زمني، لكن أحداثه وتداعياته مستمرة للعام 2009 وربما لما بعده، ولعل أهم الأحداث المستمرة هي الأزمة المالية العالمية التي أصابت الاقتصاد الأميركي وانتقلت منه للاقتصاد العالمي، هذه الأزمة التي يجمع الخبراء على أنها رغم ما حدث في شهور النصف الثاني من عام 2008 من إفلاس بنوك وشركات وحتى دول فإنها لم تبدأ بعد بشكلها القوي، ويتوقع لها الخبراء أن تتجلى بوضوح في معظم دول العالم في الربيع القادم.
انتهى عام 2008 لتنتهي معه فترة حكم أسوأ إدارة حكمت في البيت الأبيض الأميركي في تاريخه، وذلك ليس فقط بشهادة معظم شعوب العالم بل أيضا بشهادة واستفتاءات الشعب الأميركي نفسه، هذه الإدارة التي لعبت دورا كبيرا في حدوث الأزمة المالية العالمية بإغراق الولايات المتحدة في ديون كارثية.
وتعاملت مع الأزمة المالية ليس فقط بسلبية من «أحرق القرية واستعد للرحيل»، بل تعاملت معها أيضا بأسلوب «مصاصي الدماء» الذين لا يكتفون بقتل الضحية بل يمتصون ما تبقى في جسدها من دماء، فقد شاهدنا إدارة بوش تضغط بشدة على الكونجرس من أجل الحصول على مئات المليارات من الدولارات لتعطيها لكبار الأغنياء.
وتأتي هذه الأموال من دافعي الضرائب الأميركيين الذين يعانون وسيعانون أكثر من هذه الأزمة، وشاهدنا أصحاب كبرى شركات السيارات الأميركية وهم يضغطون للحصول على أكبر قدر من المليارات بحجة معاناتهم من الأزمة، وبالفعل يحصلون على ما يريدون، إنها بالضبط فريسة سقطت والوحوش تستعد لالتهامها.
ولا تعير الإدارة ألأميركية أي اهتمام للأزمة وتداعياتها، الأمر الذي دعا الإدارة الجديدة القادمة بعد أيام أن تعلن من الآن أنها لن تستطيع حل الأزمة ولا حتى مواجهتها، وهذا ما عبر عنه نائب الرئيس جوزيف بايدن الذي اعترف مبكرا بأن إدارة أوباما لن تستطيع مواجهة الأزمة وان الاقتصاد ألأميركي يواجه احتمال الانهيار التام.
الغريب في الأمر هو تفاؤل البعض بأن الأزمة ستنتهي بعد عام أو اثنين وتكرارهم لمقولة أن الاقتصاد الأميركي قوي وقادر على الصمود مثلما صمد من قبل في مواجهة أزمات أخرى، هذا الرأي يفتقر للعلمية والموضوعية، ولا يجوز المقارنة بين هذه الأزمة وسابقاتها، هذه أول أزمة عالمية من نوعها تمتد تداعياتها لتشمل العالم كله.
وقد أتت في ظروف مختلفة تماما وفي ظل نظام عولمة وتقنية اتصالات عالية أشبه بخيوط مبتلة بالكيروسين تجري فيها النار بسرعة، وليس أدل على ذلك من عدد البنوك التي انهارت حتى ألان في العديد من دول العالم، رغم أن ألأزمة مازالت في رأي الخبراء في طريقها ولم تشتعل بعد.
إننا على يقين من أن الأزمة العالمية التي ظهرت بوادرها منذ بضعة أشهر لن تحمل اسم « أزمة 2008 » بل على الأكثر ستحمل اسم «أزمة 2009» كما يتوقع الخبراء والمراقبون، حيث هناك أكثر من ثمانين دولة على حد تقارير الخبراء سوف تكون معرضة لإعلان إفلاسها وعدم مقدرتها على مواجهة الأزمة في الربيع القادم.
وإن كانت دولة غربية مثل أيسلندا قد بادرت منذ شهرين بإعلان إفلاسها، فإن هناك من هم أضعف بكثير من أيسلندا، وهناك دول كبيرة توقفت فيها العملية الإنتاجية بنسبة تجاوزت العشرة في المائة، وهذه النسبة ستتضاعف في الشهور القادمة.
حتى الدول التي أجمع المراقبون على أنها ربما تستطيع الخروج من الأزمة بأقل خسائر مثل الصين وروسيا والسعودية ، هذه الدول أيضا أعلنت أنها تعاني من الأزمة، كما أن الانخفاض الحاد في أسعار النفط لن يعود بالضرر على الدول المنتجة للنفط فقط بل سيشمل معهم العديد من الدول التي تعيش على عمليات إنتاج وبيع ونقل وتسويق مصادر الطاقة وعلى استثمارات من الدول المنتجة للطاقة، وعدد هذه الدول ليس بقليل، بل يتعدى نصف دول العالم.
من المؤسف أن نستقبل العام الجديد بهذا التشاؤم، ولكن فلنحتفل به اليوم وننسى الأزمة ولو لساعات قليلة.
كاتب ومحلل سياسي أوكراني