يعتقد الكثيرون أن بوش أقحم الدين في السياسة الأميركية لأسباب عقيدية وانتخابية ومن ثم فإن انتهاء عهده معناه تراجع دور الدين في السياسة. والحقيقة أن هذا التقدير يجانبه الصواب. فعلاقة الدين بالسياسة في أميركا لم تبدأ في عهد بوش ولن تنتهي بعده.

فالعلمانية التي نص عليها الدستور الأميركي تعني حظر إعلان دين رسمي للدولة وهي تعني أيضا فصل الدين عن الدولة. ولكنها عبر التاريخ الأميركي كله لم تكن تعني أبدا فصل الدين عن »السياسة». ومن يتابع الحياة السياسية الأميركية بانتظام يجد نفسه إزاء حالة يختلط فيها الديني بالسياسي بل ويحفل فيها الخطاب السياسي بعبارات ورموز ذات دلالات دينية واضحة.

والعلاقة الوثيقة بين الدين والسياسة لاتقتصر على الجمهوريين- أي حزب بوش- بل يشترك فيها الديمقراطيون أيضا. فلا ينبغي أن ننسى أن جيمي كارتر الديمقراطي كان أول من التف حوله التيار الأصولي المسيحي بعد عودة هذا التيار للحياة السياسية في السبعينات. لكن فترة حكم كارتر أهدرت آمال ذلك التيار فيه فكانت تلك هي بداية ارتباط التيار الديني الأصولي بالحزب الجمهوري حتى صار أحد قواعد الحزب الرئيسية.

والديمقراطيون سعوا على مدار العقد الماضي سعيا حثيثا لفك ارتباط التيار الديني بالحزب الجمهوري عبر العمل على تحسين صورة الديمقراطيين في أوساطهم دون نجاح حقيقي.

غير أن الجديد الذي فتح الطريق أمام الديمقراطيين في السنوات الأخيرة كان في الواقع التحول المهم الذي جرى داخل التيار الديني نفسه. وكانت آخر تجليات تلك العلاقة الجديدة بين التيار الديني والديمقراطيين هي ما أعلن عنه مؤخرا من أن أوباما قد وقع اختياره على القس الأصولي ريك وارن ليتولى مهام تنصيبه يوم العشرين من يناير.

ففي فترة صعوده في السبعينات، ركز اليمين الديني بالأساس على القضايا القيمية والأخلاقية وسعى بكل قوته إلى السيطرة من خلال منصب الرئاسة على المحاكم الفيدرالية بكافة درجاتها (كون الرئيس هو الذي يختار القضاة قبل أن يصدق عليهم مجلس الشيوخ) وذلك من أجل إصدار أحكام قضائية لصالح مواقفهم وتعطيل القوانين التي يكرهونها.

غير أن تحولا بدأ يطرأ من داخل التيار الديني نفسه في السنوات الأخيرة. فقد برز جناح جديد عبر عن رؤية فلسفية جديدة ومثل خطا مختلفا في نوع القضايا التي يتبناها. فقد اعتبر ذلك الجناح أن التيار الديني قد تبنى خلال العقدين الماضيين أجندة بالغة الضيق غضت الطرف عن قضايا ربما تفوق في أولويتها القضايا التي طرحها.

فقد رفض هذا الجناح مثلا صمت الجناح التقليدي إزاء قضايا الفقر والعدالة الاجتماعية عموما. وصار يضع توفير الرعاية الصحية للذين لا يملكونها وحماية البيئة على قمة أولوياته. وقد لاقت أفكار هذا الجناح ترحيبا واسعا خصوصا في أوساط الشباب المتدين وصار أنصار ذلك الجناح يتزايدون اليوم بعد الآخر.

كان معنى ذلك أن أولويات جديدة قد احتلت المقدمة وتراجعت القضايا القيمية التي حالت دون الحزب الديمقراطي وهذا التيار وقد انتبه الكثير من الديمقراطيين لذلك التحول المهم. إلا أن أحدا لم يسع للاستفادة منه والبناء عليه كما فعل أوباما نفسه. فهو يسعى سعيا حثيثا منذ صار عضوا في مجلس الشيوخ بعد انتخابات 2004 نحو توثيق العلاقة بذلك الجناح الجديد الذي يعتبر ريك وارين أحد أهم رموزه.

فعلى سبيل المثال ألقى أوباما في 2006 خطابا في كنيسة ريك وارن واقترب من رموز أخرى للجناح الذي يمثله وارن. وفي العام نفسه ألقى أوباما خطابا عاما عن الدين والسياسة وصف وقتها بأنه من أهم ماقيل في ذلك الموضوع من جانب أي سياسي ديمقراطي في الخمسين عاما الأخيرة.

بل أكثر من ذلك، وفي خضم المعركة الانتخابية للرئاسة، قبل كل من أوباما وماكين دعوة ريك وارن لإجراء حوار معهما في مقر كنيسته يوجه فيه لكل منهما أسئلة تتعلق بقناعاته الشخصية والدينية ومواقفه السياسية.

ومن المهم الإشارة هنا إلى أن الخطاب الذي استخدمه أوباما- الديمقراطي- فى ذلك اللقاء لم يختلف كثيرا عن ذلك الذي استخدمه خصمه الجمهوري. فقد كان حافلا بالتعبيرات الدينية والألفاظ والمعاني المستمدة مباشرة من الكتاب المقدس.

ومما يؤكد تلك العلاقة الفريدة بين الدين والسياسة في أميركا أن طبيعة ذلك الحوار ومقره بل وشخص المحاور كلها أمور استقبلت في أميركا استقبالا عاديا ولم تثر جدلا يذكر.

بعبارة أخرى فإن لقاء يديره رجل دين داخل كنيسة ويسأل فيه السياسيين المرشحين لأعلى منصب في البلاد عن قناعاتهم الدينية وعلاقتها بالسياسة، مر وكأنه حدث عادى بل إن الجدير بالذكر هو أن قنوات التلفزيون المختلفة لم تجد غضاضة في بث اللقاء على الهواء مباشرة. والمفارقة أن أغلب المعترضين على اللقاء لم يكونوا من العلمانيين وإنما من القساوسة الذين اعتبروا أن اللقاء «ينتهك قدسية الكنيسة كمكان مخصص للعبادة».

ورغم أن الكثيرين من أنصار أوباما قد انتقدوه لاختياره لريك وارن لتولي مهام التنصيب إلا أن ذلك الاختيار كان بمثابة رسالة سياسية تؤكد على أن الرئيس الديمقراطي سيفتح بابه للتيار الديني.

بعبارة أخرى، فإن علاقة الدين بالسياسة في أميركا علاقة وثيقة لن تنتهي بخروج بوش من الحكم. بل يمكن القول ان التيار الديني نفسه سيظل صاحب حضور قوي. الاختلاف فقط سوف يتعلق بأي أجنحته هو ذلك الذي سيشهد الحضور الأقوى.

كاتبة مصرية

manarmes@yahoo.com