مذبحة غزة أو كما سماها البعض المحرقة الإسرائيلية جاءت لتكشف المستور وتفضح غطرسة الكيان الصهيوني . كما جاءت لتكشف التواطؤ وصراع الأيديولوجيات والمصالح والولاءات على حساب المبادئ وأرواح الأبرياء. لغة الحوار في غزة أصبحت الأشلاء والدمار والخراب والجرحى والموتى، هكذا أرادت إسرائيل أن تبرز للعالم الديمقراطية التي تنادي بها والحوار من أجل التصالح والتفاهم والتعايش والدولتين اللتين تعيشان جنبا إلى جنب.

المحرقة المستمرة في حق الشعب الفلسطيني تجد لها تبريرات وتأويلات وتفسيرات من قبل إسرائيل وحلفائها. دلالات المحرقة تتلخص في كونها تعبر عن حقيقة الكيان الصهيوني الذي لا يستطيع أن يعيش بدون عدوان وقتل وجرائم وانتهاك لحقوق الإنسان. فالقتل المستمر للشعب الفلسطيني واغتصاب الأرض والاستيلاء عليها من دون حق هي أيديولوجية الصهيونية والكيان الصهيوني، هذه الأيديولوجية التي تؤسس لدولة إسرائيل القائمة على أساطير وأوهام أصبحت حقائق مفروضة على العالم بأسره.

إسرائيل منذ احتلالها لفلسطين وهي تبحث دائما عن مبررات واهية لاستخدام القوة والعنف والإرهاب والاضطهاد من خلال آلاتها العسكرية.

حاصرت إسرائيل عرفات ووصفته بالإرهابي، رغم أن ياسر عرفات قدم تنازلات لا تحصى ولا تعد للكيان الصهيوني. فحسب منطق إسرائيل، الذي يقاوم ويناضل من أجل استرجاع أرضه يسمى بالإرهابي. جريمة أخرى ترتكب في حق الشعب الفلسطيني في قطاع غزة والعالم يشاهد على الهواء ومباشرة وبتواطؤ من دول غربية تدعي الديمقراطية وحقوق الإنسان.

بعد وقوع الجريمة وتنفيذ المحرقة ومذبحة غزة تسارعت الأنظمة العربية للإدانة وخرج الشارع العربي ليتنكر ويندد ويستنكر من خلال مظاهرات ومسيرات، لكن السؤال الذي يطرح نفسه في هذا المقام هو ماذا ستفعل الإدانة وما هي النتائج المادية والملموسة التي ستحققها للشعب الفلسطيني؟

صحيح أن الشارع العربي تحرك وندد، لكنه سيسكت بعد أيام وستبقى الأمور على حالها، وستعيد إسرائيل الكرة.. فهناك فجوة كبيرة جدا بين الإدانة والشجب والمظاهرات والمسيرات وبين الفعل وتحقيق الملموس على أرض الواقع. فما دام الشارع العربي بما يمثله من مجتمع مدني وحراك سياسي وآلاف الجمعيات من مختلف مشارب الحياة بعيد كل البعد عن الفعل فالأمور تبقى في حدود البهرجة الإعلامية والفلكلور السياسي الذي لا يغني ولا يفقر من جوع.

على صعيد أخر نلاحظ أن الطرف الفلسطيني وقع في أخطاء قاتلة أدت إلى إضعافه وتفكيك صفوفه مما ساعد على خدمة مصالح العدو وأجندته ومن أهم هذه الهفوات دخول حماس وفتح في صراع دموي لا طائلة منه إلا استفادة العدو من الانتحار الداخلي الذي تتعرض له المقاومة الفلسطينية والقوى السياسية الفلسطينية المختلفة.

فعندما تصل القوى السياسية الفلسطينية إلى منطق الاقتتال وإضعاف بعضها البعض فهذا يعني أن الحركة الوطنية الفلسطينية بمختلف فصائلها وأطرافها في خطر وفي أزمة تكون لصالح العدو الغاشم الذي بيقى يتفرج ويتربص بالفرص العديدة التي تتاح له في مثل هذه الظروف.

هذا الصراع الداخلي للحركة الوطنية الفلسطينية أدى إلى انعكاسات وتداعيات سلبية على مستوى الساحة العربية كما أرتبط هذا الصراع بترتيبات إقليمية معقدة.

وفي خضم هذه الصراعات لم ينل الشعب الفلسطيني سوى القتل والتنكيل والتعذيب والجوع. وفي كل هذا يطبق الكيان الصهيوني سياسة المفاوضات الفارغة التي لا تستند لا على رزنامة زمنية محددة ولا على أهداف محددة وقابلة للتحقيق والتنفيذ. سياسة إسرائيل تقوم على كسب الوقت لبناء أكثر عدد ممكن من المستوطنات وقتل وتشريد أكبر عدد من الشعب الفلسطيني.

يعلم الجميع أن القضايا المصيرية والجوهرية في المفاوضات بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية هي إقامة الدولة الفلسطينية وحدودها والانسحاب الإسرائيلي وقضية اللاجئين وقضية القدس. لكن ما هو موجود هذه الأيام في جدول الأعمال وأجندة المفاوضات الواهية والفارغة بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية هو قضايا مفتعلة كالمعابر والأسرى ونقاط التفتيش.

مجزرة غزة ما هي إلا الوجه الآخر لسياسة أمريكية إسرائيلية لشطب المقاومة الفلسطينية من الخريطة السياسية والحركة الوطنية الفلسطينية عن طريق حملة منظمة ومنسقة لشد الخناق على قيادتها وجعل غزة إقليما متمردا يجب عزله والقضاء على كا من يتواجد فيه.

عميد كلية الاتصال، جامعة الشارقة

mokirat@sharjah.ac.ae