بعد ساعات قليلة، سيشهد الاتحاد الأوروبي نقلة نوعية في مسار رئاسته الدورية التي ستنتقل من قيادة ناجحة نسبيا وفق ما يصفها كثيرون، إلى قيادة لا تزال حتى الآن غامضة في قدراتها وتوجهاتها، برغم اقتناع البعض بأنها ستتسم بقدر كبير من الطموح لإثبات الذات وقلب الصورة التشاؤمية التي انتشرت عنها في العالم.
إسدال الستار على ستة أشهر من الرئاسة الفرنسية للاتحاد الأوروبي لن يكون حدثا عاديا لأنه سيترافق حتما مع تأجيج جذوة كثير من المشاعر التي تقسم أوروبا في الوقت الحاضر، أي تلك التي تؤيد عملية التكامل بشكلها الحالي وتطالب باستمرارها، والأخرى التي تصر على التشكيك في جدواها معتمدة بذلك إما على معايير إيديولوجية مترسخة في عقيدتها الحزبية، أو على مشاعر شوفينية أو ربما وطنية عادية.
إن مقاربة من هذا النوع تجعل من الطرف الذي سيتسلم دفة القيادة من فرنسا في موقع صعب حتما، خصوصا إذا كان متهما بالانتماء إلى الطرف الثاني المشكك بعملية التكامل مثلما هو الحال مع القيادة التشيكية الحالية. فهو سيكون مطالبا، في الحد الأدنى، للالتزام بالمعايير العامة التي تحكم أداء الاتحاد الأوروبي منذ فترة طويلة، أي بكلام آخر الحد قدر الإمكان من أي طموح قد يتولد في نفوس البعض للقفز على إطار الوحدة الأوروبية انطلاقا من أية معتقدات سياسية أو حزبية محددة.
هذا الكلام ينساق بلا شك على بعض السياسيين المنتمين للمدرسة السياسية المحافظة والذين باتوا بالنسبة لبعض قادة أوروبا مضرب مثل بخصوص آرائهم المشككة بعملية التكامل.
وحسب ما تؤشر التطورات الأخيرة التي تسنى لكثيرين الإطلاع عليها، فأن الأمور قد تدهورت بين الطرفين لدرجة أنها وصلت إلى ما وصف بمستوى «التراشق المراهق» لكن بين الرؤساء هذه المرة، مثلما حصل مؤخرا بين رئيس الدورة الحالية نيكولا ساركوزي وخلفه في المنصب فاتسلاف كلاوس.
هذا التراشق الذي بدا للبعض خلافا مراهقا بسبب سذاجة اللغة المستخدمة فيه، بدا لكثيرين وأنا منهم خطيرا في مدلولاته ومعانيه الحقيقية، لأنه أكد في الواقع عمق الخلافات القائمة على الساحة الأوروبية بين بعض التيارات السياسية على الأقل، حول مفهوم عملية التكامل وفيما إذا كان مطلوبا أو مسموحا لها بالأحرى أن تتطور إلى ما هو أبعد من حدود الانتماء الإيديولوجي لتلك التيارات.
لقد انعكس هذا الخلاف الخطير على سبيل المثال بالجرأة التي اتسم بها تصريح الرئيس التشيكي قبل سبعة أيام من تسلم بلاده لرئاسة الاتحاد الأوروبي، وادعاءه في هذا التصريح بأن شخصيات مثل الرئيس ساركوزي «هي غير أوروبية لأنها تتسبب بالأذى للقارة الأوروبية بأكملها »، فهي تسعى بشكل أو بآخر «للدوس على القيم الأساسية التي قامت عليها هذه القارة والمتمثّلة باحترام الاختلاف في الآراء».
هذا الكلام الخطير سبقه بالطبع انتقاد من ساركوزي لنظيره التشيكي الذي يرفض حتى اليوم، وبعد بضعة أعوام من انضمام بلاده إلى الاتحاد الأوروبي، رفع علم هذا الاتحاد على القصر الجمهوري لاعتبارات مرتبطة بقناعاته الإيديولوجية التي سبق أن تحدثنا عنها.
إنها في حقيقة الأمر نفس الاعتبارات التي دعت بهذا السياسي المخضرم لأن يغادر بلاده أثناء احتفالها بالانضمام إلى الاتحاد الأوروبي وتفضيله علنا البقاء في ربوع لبنان، ليؤكد كما قال أثناء لقائه مع الطلاب الجامعيين «بأن زيارته في ذلك التاريخ تحديدا هي بمثابة تأكيد على أن بلاده لن تغلق أبوابها أمام العالم الآخر»، ومؤكدا في نفس الوقت بأنه لن يسمح بذوبانها في المحيط الأوسع وفق عملية التكامل الحالية.
في ظل هذا الجو السياسي المشحون المترافق مع محاولات حثيثة لتأسيس الأحزاب المناهضة لعملية التكامل الأوروبي بشكلها الجاري، تستعد تشيكيا لتسلم دفة القيادة. وإذا اعتبرنا، مثل كثيرين، بأن مواقف كلاوس لا تتسم بقدر كبير من التأثير باعتبار أنه لا يمثل السلطة التنفيذية وبالتالي فإن نفوذه سيبقى محصورا في قدرته على استغلال صلاحياته لعرقلة القوانين المرتبطة بعملية التكامل كالمصادقة على اتفاقية لشبونة وما شابه، إلا أنه لا يمكننا أن نغض الطرف عمّا يمثله من توجه سياسي شامل ضمن محيط الاتحاد الأوروبي ككل.
من جهتها تصر القيادة التنفيذية في تشيكيا بأنها منسجمة في مواقفها السياسية واستعداداتها اللوجستية مع مواقف الرئاسة السابقة للاتحاد الأوروبية.
وأنها ستعمل بكل جد على استكمال كافة المشاريع التي بدأتها الرئاسة الفرنسية أو ساهمت باستمرارها، انطلاقا من القناعة السائدة لدى الجميع بأن هذه المشاريع هي ترجمة فعلية وعملية للسياسة التي يتبنّاها الاتحاد الأوروبي ككيان موحد. وإذا كان هذا الكلام صحيحا وواقعيا، فإن مواقف التشكيك أو الريبة الأوروبية كما باتت تعرف، لن تؤثر بأي شكل على منزلتها كرئيس نزيه للدورة الجديدة.
على الصعيد العملي يبدو بأن التشيك قد أعدّوا العدة بشكل كامل لاستلام مهامهم التاريخية، فهم أطلقوا عملية التحضير منذ العام 2006 وتميزت على الصعيد السياسي بالتلاؤم التدريجي للأوليات مع ما قد يترافق ذلك من تنسيق وملاءمة للمصالح الوطنية مع الأوروبية وما شابه.
وحسب الأرقام الرسمية الصادرة عن وزارة الخارجية، فإن عملية التحضير كلفت البلاد 200 مليون كرونة في العام 2007 و 900 مليون في العام التالي، ومليارا في العام الذي ستتسلم فيه الرئاسة بشكل فعلي، يضاف إلى ذلك حوالي مليار وأربعمائة مليون تم فرزها إلى ميزانيات الوزارات المختلفة لتغطية نفقات الفعاليات الكثيرة التي ستستضيفها.
ما يهمنا كعرب بالطبع ليس الواقع اللوجستي للعملية، بل طبيعة التصرف والأداء التشيكي خلال الستة أشهر القادمة وفيما إذا بقي ذلك الأداء منسجما مع الروح الأساسية للاتحاد الأوروبي، في ظل ما يبشرنا به البعض من مفاجآت مثيرة مرتقبة.
كاتب لبناني
