عاطف العالم الغربي طويلاً مع اليهود بسبب الأهوال التي مروا بها في تاريخهم خاصة على أيدي الأوروبيين؛ بدءاً بمحاكم التفتيش الإسبانية في الأندلس وانتهاء بالاستفراد بهم في حملات التصفية الإثنية في القرن العشرين. بالغ الكتّاب والمؤرخون والسياسيون اليهود كثيراً في بناء الأساطير والخرافات عن حجم مجازر ارتكبت بشكل جماعي في معسكرات الاعتقال الفاشية والنازية.
سياسياً فإن إسرائيل الدولة في فلسطين العربية قامت نتيجة تعاطف غربي مع معاناة اليهود في أوروبا بالدرجة الأولى كأقليات مضطهدة بهذا الشكل أو ذاك. تبعاً لذلك دفعت الدول الأوروبية تعويضات مالية ومادية معتبرة جعلت من الدولة اليهودية في فلسطين من أغنى وأقوى دول العالم.
عسكرياً وبفضل الدعم الغربي الفريد من نوعه يميل ميزان القوى في المنطقة بشكل جارف تجاه الدولة اليهودية الميكروسكوبية حجماً في المنطقة والعالم.
مارس الإسرائيليون الأساليب الوحشية والهمجية ضد الآخرين طوال فترة وجودهم في المنطقة منذ بداية القرن العشرين تقريباً. بالدرجة الأولى أدت بلورة تواجد سياسي يهودي إلى حرمان معظم الفلسطينيين من حقوقهم الأساسية في الأوطان؛ هذا إلى جانب الحقوق الأخرى، الأساسية والمكتسبة.
في حديث الساعة تصل الإجراءات الإسرائيلية الذروة في الحصار الخانق المفروض على مئات آلاف المدنيين في قطاع غزة، على مساحة من الأرض لا تزيد على 400 كيلومتر مربع. يشمل الحصار الفاشي العنصري كل شيء بدءاً من فرض طوق أمني محكم براً وبحراً وجواً ومواصلة تخويف وترهيب المدنيين بالقصف الهمجي ومنع إمدادات الوقود والغذاء والدواء.
يواصل الجيش الإسرائيلي خسران شرفه العسكري حينما يستعمل القوة العسكرية البحتة والمفرطة في مهاجمة أهداف مدنية لشعب محاصر أعزل. يستخدم الإسرائيليون تقنية عسكرية متقدمة في البر والبحر والجو لضرب أهداف مدنية لا يمكن لإنسان يتمتع بالحد الأدنى من التعقل أن يفكر بارتكابها. الكيان الإسرائيلي يخاطر ويقامر بتعاطف دولي طالما أتاه على طبق من فضة بفضل الدعاية الصهيونية الغربية المكثفة المتواصلة.
ذلك ما يُخسر الكيان أولاً أصدقاءه الجدد من الذين أقاموا علاقات سياسية ودبلوماسية وتجارية من دول العالمين العربي والإسلامي، إضافةً إلى الشعوب والحكومات الصديقة التقليدية الأخرى على قلتها العددية.
المشاهد المؤلمة للحصار القادمة من قطاع غزة تذكّر بالمشاهد من معسكرات الاعتقال النازية والحصار على اليهود في الجيوب البشرية للمدن الأوروبية إبان الاحتلال النازي لها.
يعجب المرء كيف للإسرائيليين الاستمرار بالتبجح واستحلاب تعاطف دولي مع القضية اليهودية في نفس الوقت الذي يمارسون نفس الأعمال ضد المدنيين الفلسطينيين العزل. لكن بالنسبة للإسرائيليين وبسبب وصولهم إلى مستوى متقدم من القوة فإن عهد استعطاف الآخرين إنسانياً قد ولى!.
ينسى الإسرائيليون أو يتناسون ما يزعمون به، ويمارسون نفس الجرائم والخطايا التي طالما شكوا ويشتكون منها!؟ على المتعاطفين مع الإسرائيليين إعادة فتح ملف تلك الشكاوى والمزاعم المُبالغ بها أصلاً والتي تم توظيفها لأهداف سياسية ومآرب همجية خاصة.
بادئ ذي بدء وحتى لو كانت الدعاية اليهودية ترتكز على أقوال ومزاعم صحيحة وقوية في التعاطي مع القضية اليهودية هل يخول ذلك إسرائيل بالبطش بأهل فلسطين عموماً وأهالي قطاع غزة المحاصرين حالياً؟!
أم أن المخطط الإسرائيلي يظل يسير وما حصار أهالي قطاع غزة، بسبب حركة حماس!، ما هو إلا ذر للرماد في العيون عن سياسة همجية هوجاء تحاك في الخفاء؟!. تهدف سياسة الحصار الخانق إلى إفراغ قطاع غزة من أهله قدر الاستطاعة. قبل ذلك عجز الاستيطان اليهودي الإجرامي على مدى عقود في النيل من صمود القطاع المجاهد بصلابة أسطورية.
«أول الغيث القَطْرُ»، حين بدأت المساعدات الإنسانية تأتي إلى ميناء غزة منطلقة من ميناء قبرص القريب وبعض الموانئ الأخرى البعيدة، مثل سفينة الإغاثة القطرية.
على قلة كمية المساعدات المقدمة إلا أن ذلك يشكل رمزاً لتحرك الضمير البشري الإنساني الناضج. بشكل فعلي يساهم ذلك في جلب الانتباه إلى حالة إنسانية عز نظيرها في تاريخ السلوك الإنساني البشري. في الفكر الإنساني الحالي فإن إسرائيل التي تزعم تمثيل شعب اضطُهد وحوصر فيما مضى من الزمن تقوم بنفس الإجراءات وبشكل أكثر همجية وقسوة وغياب ضمير.
إن كياناً سياسياً معترفاً به دولياً يقوم بمثل هكذا إجراءات لا-إنسانية يخسر حقوقه بدءاً بالتعاطف البشري الإنساني وانتهاء بحق البقاء والاستمرار السياسي.
بالتأكيد لقد ذهب زمان شعار «إسرائيل أولاً» من العقلية السياسية الغربية بشكل فعلي واقعي. آن الأوان للضمير الإنساني أن يصحو بشكل جماعي مؤثر يجبر الكيان الإسرائيلي على تطبيق الشرعية الدولية ومبادئ حقوق الإنسان. العرب قادرون على التعامل بسهولة مع الغطرسة الإسرائيلية، خاصةً وحتى مع التقدم في استخدام تقنية السلاح المقتصرة على طرف واحد والحال هذه.
لكن العرب يحبذون السلام الإستراتيجي حتى مع تقديم تنازلات كبيرة بخصوص الأرض والمبادئ والثوابت الأخرى. بدأ العالم يوقن حقيقة أن إسرائيل كيان عدواني يعتمد انتقاص حقوق الآخرين باستخدام قوة السلاح.
في ظل تبعية سياسية واقتصادية شبه مطلقة للقوى الغربية المتفرّدة بالقرار الدولي فإن الحكومات والشعوب العربية هي آخر من يُسمح لها بالتعبير عن أنفسها ضد حصار قطاع غزة. يشمل ذلك التعبير تقديم احتجاجات وشكاوى في المنابر الدولية الهامة وتسيير مظاهرات احتجاجية رمزية أو إرسال مساعدات غذائية وطبية ومالية لأهالي القطاع المحاصرين.
بشكل أكثر تخصيصاً فإن الدول المحاذية لإسرائيل، ولقطاع غزة بالذات، لا تستطيع تقديم دعم مطلوب بحدة. المطلوب من تلك الدول خاصة التي عقدت اتفاقيات سلام مع إسرائيل أن تكون لديها قابلية للتحرك؛ عدا عن ذلك فما هي جدوى تلك الاتفاقيات على أرض الواقع؟!
جامعة الإمارات