حاول العالم أن يفك الحصار المضروب على غزة ولكنه فشل فشلا ذريعا فهل بإمكان الصراخ في شوارع ومدن العالم العربي القدرة على انجاز تلك؟
المسألة بحاجة إلى مناقشة هادئة وليس عنفا داخليا موجها للأنظمة لدفعها على القيام بما لا يمكنها فعله، خاصة وأن الأنظمة العربية كعضو في الجامعة العربية والأمم المتحدة وبعض المنظمات الإقليمية وغيرها ليس بمقدورها إلا أن تشارك في الاحتجاج الدولي وتجبر الأمم المتحدة على استصدار قرار الإدانة!
أما بعد ذلك فان إسرائيل تفعل ما تشاء. فلماذا أصبحت إسرائيل قادرة على ذلك فيما عجز العرب حكومة وشعبا عن فعل ما يمكنها فعله.
إن من يحاولون مسك السراب السياسي هم وحدهم العاجزون ولهذا يهربون بإحباطهم نحو العنف لكونهم يتوهمون أنهم هم الأكثر ثورية في الموقف فيما وجدوا الآخرين ليسوا إلا متراجعين وخونة عن القضية الفلسطينية وهذا أبسط وصف يمكنهم ترديده فيما هم لا يختلفون عن غيرهم إلا في العويل السياسي اليومي!
ما يمكننا قوله إن القوى القادرة على إجبار إسرائيل على فك الحصار هو الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، والتي لا يمكنهما إلا وحدهما امتلاك وسائل الضغط الفعلية، أما من يملكون المفتاح الحقيقي لفك الحصار وبيدهم ذلك فإنها الدولة العبرية، هذا إذا رغبت في ذلك عن طواعية، إذ لا تمتلك أية قوة عالمية إجبارها على فتح معابرها، لكون الدولة العبرية تمتلك وسائل ضغط داخلية على ذلك الاتحاد وتلك الدولة العظمى. فماذا تبقى لنا نحن العرب من أوراق سياسية لكي نبدل الواقع على الأرض؟
بما في فيها من أوراق مصرية، فهناك في المعابر جزأين من الحدود، الجزء المصري والقوة الإسرائيلية المحتلة في غزة والقادرة على منع تدفق البضائع مهما رغبت مصر بطريقتها كسر حالة الحصار، فذلك ليس مجرد موضوع اتفاقات ثنائية واعترافات متبادلة نتوهم أنها الحل والعطب والعجز والتورط.
كما إن مصر العربية قررت أنها لن تخوض حروب هجومية مع أية دولة مجاورة بما فيها إسرائيل، وقد جربت ذلك عدة مرات، بينما اليوم تعقد الوضع وانقسم العرب بين دعاة التطرف والحرب والمغامرة وبين الجزء الذي يعتبر نفسه معتدلا ومستعدا للجلوس لحل المشكلة من جذورها ومستعدة للتفاوض والحوار إلى أقصى مدى.
وهذه الكتلة السياسية اتسعت عربيا بل وستجد نفسها في نهاية المطاف تصبح كتلة كاملة ومن أهمها دول الجوار لإسرائيل مثل سوريا ولبنان، بعد ذلك لن تهتم بدول لا تشكل قيمة إستراتيجية لها إلا على المستوى العسكري كما هي إيران، ولذلك الموضوع حسابات إسرائيلية أخرى، فيما ترى إسرائيل الجامعة العربية المحور الأساسي في الدخول للبوابة العربية نحو المشروع الشرق أوسطي الكبير.
وبما إن الأنظمة العربية جربت العنف والحرب وعجزت وأدركت إن من يقف أمامها ليس إسرائيل الصغرى وإنما عالم أوسع بقوته السياسية والعسكرية مستعد أن يسند إسرائيل، بل وتخلت روسيا عن ذلك بعد الانهيار السوفيتي فأضاف خطوة جديدة لتلك القوة وذلك الموقف، فبات الموضوع محسوما من جانب واحد.
غير أن بعض الشعوب العربية ما زالت تتوهم أنها قادرة على الضغط على حكوماتها للذهاب للحرب في وقت تلمست فيه الشعوب العربية أيضا عدم جدوى ذلك فانقسمت إلى شظايا عربية، ومن يتهم تلك الشظايا ومواقفها بالتراجع ليس إلا جناح التطرف والمزايدة المتوهم إن الآخرين باتوا عاجزين، وهم وحدهم حملة شعار إغراق إسرائيل وشعار التدمير والإزالة.
هذا المنطق تعرى مع الوقت حينما توقف الساسة لمنطق التوازن والحسابات العقلانية وإعادة النظر في كل القياسات السياسية ومنطق الحقائق وليس العواطف التي تحركها المشاهد الإعلامية وحدها، والتي يجدها كل جانب عربي سياسات متهورة ومجحفة وغير عادلة، ولكنه في الوقت ذاته بدأ يختلف في طرق مواجهتها.
ما شاهدناه من حصار وسماح إسرائيل لهم بالعبور يبرهن على استعداد إسرائيل للتنازل بما تمليه إرادتها، وليس السماح لسفينة رمزية قطرية بالدخول ومنع سفينة ليبية من العبور يؤكد على عدم قدرة ليبيا عن فعل أكثر من ذلك.
فيما تركت إسرائيل كل سفينة أوروبية تدخل إلى غزة وتكسب من فعلها ذلك الرأي الأوروبي بينما قمنا نحن بالصراخ والعويل الإعلامي دون معرفة ما هي النهايات والمدى الذي سينتهي إليه الحصار ومرونة الدولة العبرية له وترويض الحصانين الأوروبي والعالمي لصالحها وترك الحصان العربي يركض في الجهات الأربع متخبطا ماسكة إسرائيل الحصان الذي تريده في قيادة إعلامية سهلة نحو الإسطبل ثم إعادته للمكان القادم منه بكل راحة وسهولة ومن عرف تلك اللعبة أدرك كم هي الدولة العبرية مراوغة سياسيا!
ما حاولت إيران فعله وما قام به حزب الله من هياج وتهييج في مقولته من قبل بالحصار فهو محاصر، محاولا استثمار كل حالة سياسية في الداخل على حساب قضايا خارجية في وقت يجد نفسه اليوم إن السلاح صار منتكسا للداخل وان الإعلام الانتخابي لابد من توجيهه حسب المصالح والإرادة الأخرى أحيانا. وبما إن حزب الله ولبنان غير قادرة على إرسال قطرة دواء إلى غزة فلماذا لا يحرك الشارع العربي المؤيد له داخليا ؟!
هكذا انطلقت في بدايتها تظاهرات سلمية بحرينية تندد بحصار غزة بتخويل وسماح من وزارة الداخلية، ورغم التعهدات بقدرة من وافق على طلبها بسيطرته عليها، فإذا بمجموعة تندفع من وسط التظاهرة وتبدأ بلعبة الملثمين الذين اخذوا يهتفون ضد النظام في البحرين ويحرقون الأعلام الوطنية رافعين أعلام حزب الله.
وقد حملوا في أجندتهم السياسية تخريب احتفالات العيد الوطني وعيد جلوس جلالة الملك، فكانت الأعلام البحرينية وصور المناسبة هي الأسهل للحرق والإدانة، متخطين شعار المسيرة وأهدافها وغاياتها.
وبدلا من التنديد والقدرة على فك حصار غزة صارت القضايا الوطنية الداخلية هدفا للعنف والفوضى، وصار شهر ديسمبر بوجهين، الوجه الاحتفالي والوجه الرفضوي الذي اتخذ من حصار غزة فرصة وغاية لمشاريع لا يمكنها أن تقدم البحرين خطوة واحدة نحو الأفضل، فقد جرب العالم الفوضى والطفولية السياسية.
وجرب لغة الملوتوف والعنف فكانت النتيجة تراجع التنمية بكل أبعادها وتدهور الوضع المعيشي للناس، دون أن يحقق العنف أي خطوة من الانتصار لأسباب واضحة كالشمس، أبرزها جانبان اختلال توازن القوة بين تيار الفوضى والرفض وتيار السلطة والمؤيد لها، والجانب الآخر هو انقسام الشعب إلى تيارات عدة ومن أهمها تيار يرفض بقوة نهج العنف في معالجة مشاكلنا الوطنية ويسعى تطوير المشروع الإصلاحي من الداخل.
كاتب بحريني
