المجزرة البشعة التي ارتكبتها إسرائيل في قطاع غزة أقل ما توصف به هو أنها جريمة ضد الإنسانية‏,‏ وليست فقط إفراطا في استخدام القوة العسكرية كما وصفها البعض‏,‏ فالقانون الدولي يلزم قوات الاحتلال بالحفاظ علي حياة وممتلكات المدنيين‏,‏ وعدم محاربتهم في أرزقاهم‏,‏ أو تضييق الخناق عليهم‏,‏ غير أن إسرائيل لم تأبه مطلقا بقواعد القانون الدولي‏,‏ ولم تتورع عن أي عمل تري فيه مصلحتها الأمنية‏,‏ بصرف النظر عن مدي مشروعيته‏,‏ أو احتمال أن يروح ضحتيه قتلي وجرحي مدنيون بأعداد كبيرة‏.‏

ولأن مصر تعرف ذلك جيدا سعت بكل جهدها لتجديد فترة التهدئة بين إسرائيل وحركة حماس‏,‏ حتي لا يؤدي إطلاق قذيفة بدائية من عناصر منفلتة في غزة علي جنوب إسرائيل إلي قيام الأخيرة بعملية عسكرية انتقامية يروح ضحيتها الأبرياء من الفلسطينيين‏,‏ كما حاولت مصر وقف التصعيد وحذرت مرات عديدة من العدوان علي غزة‏,‏ لكن العناصر الفلسطينية غير الراغبة في السلام وتبحث عن بطولات زائفة لم يأخذوا التحذيرات المصرية مأخذ الجد‏,‏ وسعوا لإفشال المحاولات المصرية للتهدئة بإطلاق‏60‏ صاروخا علي إسرائيل عشية زيارة وزيرة الخارجية الإسرائيلية لمصر‏.‏

هذه التصرفات غير المسئولة من بعض العناصر الفلسطينية‏,‏ التي تسكت عنها قيادة حماس في غزة‏,‏ مسئولة بدرجة أو بأخري عن وقوع المجزرة الإسرائيلية‏,‏ فالمثل يقول‏:‏ إذا كنت لا تستطيع قتل الذئب‏,‏ فلا تجذب ذيله‏,‏ فمقابل كل مصاب بقذيفة بدائية يطلقونها علي إسرائيل يقتل الإسرائيليون ويصيبون عشرات الفلسطينيين‏,‏ والحكمة الموروثة تقول‏:‏ إذا كان دفع الضرر سيؤدي إلي ضرر أشد فيجب تركه علي ما هو عليه حتي تتغير الظروف‏,‏ وتسمح بتغييره بلا خسائر‏,‏ أو بأقل قدر منها‏.‏

ليس معني ذلك أن قادة حماس والمنفلتين من عناصر المقاومة الفلسطينية هم وحدهم المسئولون عما يجري‏,‏ فإلي جانب ارتكاب إسرائيل لهذه الجريمة عن عمد‏,‏ وبتخطيط مسبق‏,‏ فإن انتهاكاتها من وقت لآخر للتهدئة‏,‏ وحصارها المستمر والخانق لمليون ونصف المليون فلسطيني في قطاع غزة‏,‏ ومنع وصول إمدادات الغذاء والدواء والوقود إليهم في برد الشتاء القارس‏,‏ قد تتسبب في دفع هؤلاء إلي حافة اليأس وإطلاق الصواريخ معتقدين‏,‏ من وجهة نظرهم‏,‏ أن التهدئة لم تساعد في فك الحصار‏,‏ ولاوقف الاعتداءات علي الفلسطينيين‏,‏ ولا الاقتراب من الحل النهائي العادل للقضية‏.‏

وللخروج من هذه الدائرة المفرغة لابد من تحرك دولي سريع لوقف الضربات الإسرائيلية‏,‏ واستئناف عملية التفاوض علي مستويين‏:‏ الأول‏:‏ فلسطيني ـ إسرائيل كان قد بدأ منذ مؤتمر أنابوليس قبل نحو عام ويحتاج إلي دفعة لتذليل العقبات المتبقية‏,‏ والثاني‏:‏ علي مستوي دولي من خلال اللجنة الرباعية ومؤتمر موسكو المقترح للاتفاق علي كيفية دفع المفاوضات الفلسطينية ـ الإسرائيلية قدما‏,‏ وتذليل العقبات التي تعترضها‏,‏ فلو ترك الطرفان لنفسيهما فلن يتوصلا لاتفاق أبدا‏,‏ ولابد من وسطاء يقترحون حلولا ويسهمون في تذليل العقبات‏.‏

تبقي الإشارة إلي تصرف غريب من قادة حماس‏,‏ وهو منع عبور جرحي ومصابي القصف الإسرائيلي إلي مصر للعلاج فيها بعد أن تم تجهيز الأطقم الطبية والمستشفيات لاستقبالهم‏,‏ ولا ندري من يعاقبون؟ ولماذا؟ حدث ذلك بعد أسابيع قليلة من منع عبور الحجاج الفلسطينيين لأداء الفريضة المقدسة دون سبب مقنع‏,‏ مما أثار سخط الشعب الفلسطيني والمسلمين في أنحاء العالم‏!‏