ليست هناك لحظة أصعب من اللحظة التي تشعر فيها بضعفك كعربي ينظر إلى أخيه الفلسطيني وهو يقتل أمام ناظريه دون أن يستطيع رد القاتل عنه عنوة في وضح النهار.
وليست هناك لحظة أصعب من اللحظة التي تجد فيها أبناء فلسطين الحرة يواجهون الموت ببطولة وشجاعة، يفتقر إليها ملايين العرب الذين اكتفوا كعادتهم بعد العدوان الإسرائيلي المجدد على غزة بالاستنكار والإدانة والدعوات المتجددة لعقد مؤتمرات وقمم لم تحرك خلال الخمسين عاما وأكثر ساكناً لتحقيق نصر لصالح إخواننا الفلسطينيين.
مشاهد مؤلمة بل قاتلة تلك التي عرضتها الفضائيات، والتي لا يقوى أي منا على الصمود أمامها، فكيف بمن يواجهها في واقع يصرخ ويئن ليس من يوم أو يومين بل من أيام وشهور فرض فيها الحصار والجوع على قطاع غزة السابح اليوم في دمائه، الفاقد لرجاله، المواري لجثمان أطفاله، العاجز عن مداواة جرحاه أولئك الذين فاقت جروحهم الداخلية ما نراه من جروح لم نعد كمسلمين وعرب قادرين على الإحساس بها بعد أن تبلد الإحساس فينا، وبعد أن أسلمنا المقاومة لمن لا يملكون عدة ولا سلاحا، لمن قتلهم الجوع والمرض ومع ذلك مازالوا يقاومون.
إن اللحظات التي استقبلنا فيها عاما هجريا جديدا تعيدنا إلى تاريخ امتد العذاب والألم فيه بالفلسطينيين أعواما مديدة دون أن نقدم لهم دعما حقيقيا يتجاوز مواقف سياسية رسمية، لم تقدم ولم تؤخر، ومساعدات مادية لم تتورع إسرائيل يوما في تدميرها والخلاص منها، معلنة تحديا ضد الفلسطينيين والعرب الذين لم يعد لهم حول ولا قوة عندما يقفون في أماكنهم دون حراك مجد ينتصر للفلسطيني والعرب جميعاً.
إن هذه المشاهد التي تتكرر في فلسطين المحتلة تدفعنا للتساؤل عن الوقت الذي ستتحرك فيه الدول العربية معلنة رفضها لهذا الإرهاب، الذي يمارس بكل صوره وأنواعه دون أن يجد من يتصدى له.
إرهاب يحمل من المعاني الكثير الذي عجز الغربيون أنفسهم عن التعبير عنها عندما أطلقوها علينا كعرب ومسلمين، بعدما أصبحوا يتخوفون ويخوفون منا باعتبار إننا مصدرون للإرهاب الذي نثق بأنه لو كان هناك معلم له فليس سوى الإسرائيليين الذين أبدعوا في إرهاب، لم يعرف التاريخ أنواعاً له كتلك الأنواع الشرسة التي تمارس ضدنا ومن قبل الإسرائيليين، فهؤلاء تجاوزوا المواثيق والاتفاقيات وكل الدعوات والبيانات القممية، ومظاهر الإدانة والاستنكار وصرخات الغضب التي يعبر بها العرب عن مواقفهم على خجل.
وهو سلوك لا يزيدنا إلا خضوعا وذلا وخوفا على مستقبل، ربما تعاني فيه أجيالنا القادمة ما يعاني منه أبناء الفلسطينيين على مر التاريخ. فالأيام دول ومن يضمنها اليوم سيعجز عن ذلك غداً.
فإلى متى سيستمر الصمت العربي ومواقفه الغاضبة بخجل ومتى سيثأر للفلسطينيين باسم الإنسانية ومحاربة الإرهاب؟ تساؤلات لا إجابة لدينا عليها، وحتى ذلك الوقت الذي تتحرك فيه فلول العرب عندما تتملكهم غيرة على إخوانهم، وتتحرك تلك الدماء المتجمدة في أجسادهم، لا يسعنا كمسلمين وعرب سوى التوجه إلى المولى ـ عز وجل ـ بالدعاء ليفك ضيق إخواننا الفلسطينيين وان يعينهم على من عاداهم، هو نعم المولى ونعم النصير.
