حينما ترتكب الجرائم والمجازر، وحين يصبح الموت والدم والدمار أسلوبا في جريمة إسرائيلية ليست غريبة في عملية إبادة جماعية لا تكون لغة الإدانة العربية كافية للتعبير عن الموقف ولن يكون للقمة العربية المرتقبة أي أثر، ولن يكون في مجمله أكثر من اجتماع تتعمق فيه الجراح وتزيد فيه الخلافات والشقاق العربي.

الخلافات هي الثغرة التي ينفذ منها الكيان الصهيوني، ويفعل ما يحلو له، ليقينه بعدم وجود من يوقفه. فما أكثر الجرائم التي ارتكبها على مدى التاريخ، وما يحدث هو حلقة من سلسلة طويلة لن تنتهي في القتل والدمار، فلاشيء في قتل وحرق العشرات وإبادة مليون ومئتي ألف فلسطيني في غزة من أجل القضاء على حركة المقاومة الإسلامية «حماس».

كل ذلك نتيجة حتمية لمحاولات فرض العقوبات على إرادة شعب اختار حكومته في الانتخابات التشريعية عام 2006 فكان الحصار المتواصل وترك الجلاد والضحية في خندق واحد، لم يواجه إلا بالصمت إلا فيما ندر، لم تكن أكثر من محاولات متواضعة لتقديم العون، لم تدم طويلا، ومطالبات خجولة لم ينفرج عنها شيء.

صمت.. تجاهل.. تغاضي.. تواطؤ.. إذلال.. قتل وحرق، سموا الحالة ما شئتم، وانعتوا ما يحدث في غزة بما يروق لكم، فالمحرقة نقلتها عدسات الكاميرات في أبشع صورها، مذابح تدمي القلوب، جثث الأبرياء تملأ المكان، الموت والدماء، ولا شيء غيرهما يسودان الأرجاء، صرخات البشر تضيع هباء تحت أزيز الصواريخ، وأرواح تزهق بلا هوادة، في جرائم تاريخية ضد الإنسانية ترتكب تحت مبررات واهية، لم يتوان خلالها المجرم عن بسط كافة أنواع السيطرة والحصار المتواصل وإتيان كل فعل وحشي، ترفضه النفس البشرية، وتأباه الإنسانية.

ما يحدث في غزة عار.. عار بكل مافي هذه الكلمة من معان ودلالات، عار على من تحطمت عند سفح مصالحهم الشخصية وتطلعاتهم السياسية أرواح بريئة، وغضوا الطرف عن ممارسات ومؤامرات حيكت ضد الشعب من أناس افترضت فيهم رعايتها والعمل على صونها والحفاظ عليها، فوقعوا بين أفكاك الكماشات ودفعوا أثمانا لاختيار توسموا فيه الخير بعد عقود من الخذلان والقهر..

ولكن هيهات لمن قدر له أن يكون يومه مثل أمسه، أن يحيا غير ما عاش وأن يكون في وسعه الخروج من فلك لا مخرج له ولا منفذ، هو عار أيضاً على أمة كانت لها من الصولات والجولات أكثرها، في تاريخ يحفظ لهم صنائع عظاماً، لم يكن فيه للخذلان مكان، أصبحت اليوم لا تقوى على فعل شيء يحفظ لها كرامتها ويجعلها خير أمة أخرجت للناس.

وقعت الأزمة وكانت المحرقة، ويجري في غزة ما قدر لها، لكن هل ستخرج بدروس وعبر يستفيد منها من تسببوا في الكارثة بفرقتهم وخلافاتهم التي اتخذها العدو، وقوداً أشعل بها نيرانا أحرقت الأبرياء، وأحالت حياة من تبقى دمارا وأهدى العرب والمسلمين في مناسبات عظيمة جثثاً ودماء وتذكيراً بخيبة ما آلت إليه أحوالهم، وما ينتظرهم من مستقبل أسود حالك، سواد الحياة في غزة.

fadheela@albayan.ae