كتب غي تشازان في صحيفة The Wall Street Journal الأميركية في 24 ديسمبر متهكما على إعلان المجتمعين في موسكو عن قيام منتدى البلدان المصدرة للغاز.

وقال إن هذا الحدث لو تم قبل عام لكان قد أفزع الغرب حقا. أما في الوقت الحالي حيث انحدار أسعار النفط والغاز فإن قيام هذه المنظمة لا يفزع أحدا. أما الفاينشال تايمز البريطانية فقد علقت في نفس اليوم وبتهكم أيضا، لكن على الدول المستهلكة قائلة بأن البلدان المصدرة للغاز الطبيعي قدمت هدية عيد الميلاد التي كان الطرف الآخر ينتظرها بقلق، مشيرة إلى أنه في اليوم السابق، 23 ديسمبر، حولت البلدان المصدرة هذا الجمع إلى جهاز رسمي بسكرتارية دائمة.

ترى أي التهكمين في محله؟ قبيل هذا الإعلان ناقش وزراء الطاقة في 14 بلدا يحوي باطن أراضيها 73% من احتياطات الغاز العالمية وتضخ إلى أسواق العالم 42% من استخراج هذا الوقود الأزرق، ناقشوا مستقبل سوق الغاز العالمية.

وفي يوم 23 ديسمبر ناقش الوزراء وأقروا في فندق «برزدنت هوتيل» في موسكو النظام الداخلي لمنتدى البلدان المصدرة للغاز، وأعلنوا قيامه من كل من إيران، الجزائر، بروناي، بوليفا، أندونيسيا، ليبيا، ماليزيا، روسيا، نيجيريا، الإمارات العربية المتحدة، قطر، مصر، ترينيداد وتوباغو وفنزويلا.

والآن أصبح يضم أيضاً كلا من غينيا الاستوائية، كما تتمتع النرويج وكازاخستان بعضوية مراقبة. لحد الآن لا يزال «منتدى البلدان المصدرة للغاز» الذي التأم شمله عام 2001 والذي أعيد تشكيله الأسبوع الماضي لم يتحول بعد إلى كارتيل بمعنى الكلمة.

وبرغم تهكم الصحيفة الأميركية إلا أن بعض المحللين الذين لفت نظرهم غياب أذربيجان عن هذا الاجتماع بأن صراعا استراتيجيا عالميا يدور حول الغاز وتشكل أذربيجان محوره.

فهي ليست بلدا مصدرا للغاز فقط، لكنها أيضاً تشكل المنفذ الطبيعي الوحيد «للوقود الأزرق» القادم من آسيا: تركمانستان، كازاخستان وأوزباكستان التي تمتلك احتياطات كبيرة من الغاز الطبيعي إلى السوق الأوروبية. ولا شك أن الغرب سيحتاج إلى هذا البديل «الآسيوي» في أقرب وقت.

وإذا ما ربط هذا اللقاء بسياق التصاعد الملحوظ للسياسة الروسية الهجومية في كل الاتجاهات، فإن محللين أوربيين يرون أن موسكو التي استخدمت «سلاح الغاز» بفاعلية ضد أوكرانيا وجورجيا، لا يستبعدون أن تقع بلدانهم أيضاً في مرمى هذا السلاح.

وبالتالي لا يستبعدون أن يقويّ الغرب من علاقاته مع بلدان استراتيجية على هذا الصعيد مثل أذربيجان. ويبدو أن كلا المسعيين «أوبك» الغازية وإعادة رسم العلاقات الاستراتيجية الدولية حول الغاز قد بدأ منذ زمن ليس بقصير.

فإذا كانت روسيا تراقب بعصبية بالغة تحركات أميركا في فضائها السوفييتي السابق فإنها أصبحت بعد حرب جورجيا والأزمة مع أوكرانيا تنظر بتفاعل بذات الحساسية مع استراتيجية الاتحاد الأوروبي في المنطقة. وتعتبر ذلك إضافة إلى الاستراتيجية الأميركية الخاصة تجاه صادرات الغاز من هذه المنطقة.

ومن هنا كان تحذير رئيس الوزراء الروسي فلاديمير بوتين بأن كثيرين يقاربون مفهوم «الأمن الطاقي» بشكل غير صحيح منطلقين من مصالحهم الخاصة بشكل استثنائي.

إذن فالذي يبدو هو أنه إذا كانت أوبك قد قضت مضاجع الدول المستهلكة للطاقة على مدى الخمسين عاما الماضية فإن علامات اتحاد شبيه بأوبك تلوح في سوق الغاز العالمية.

وطبيعي أنه لا يمكن تشبيه أوبك النفطية بالغازية إلى حد التطابق. فلأسباب تتعلق بطبيعة السلعتين ونقلهما وتخزينهما تختلف طبيعة التعاملات في أسواق كل منهما. فاتفاقات بيع الغاز تتم لأمد طويل جدا، تصل إلى عام 2030 كما هو الحال في اتفاقات مستوردي الغاز الألمان مع المصدرين الروس. ولحد الآن لا تتم المتاجرة بالغاز في البورصات على أساس العرض والطلب. ولا تتاح للمنتج إمكانيات تغيير اتجاهات تصدير الغاز بسهولة اعتمادا على حالة السوق.

وربما اعتمادا على مثل هذه المعطيات اعتبر بعض المحللين أن المفاجآت التي يحملها كارتل الغاز ليست بالكبيرة. وهم ربما فعلوا ذلك عن وعي بهدف بث الوهن في صفوف منتجي الغاز وتيئيسهم من جدوى منظمة كهذه. غير أن الحقيقة تختلف عن ذلك بشكل جذري، وهي ترتبط بمستقبل تطورات سوق الغاز العالمية.

وقد جاء توقيت الإعلان ليس عفويا البتة وذا دلالة عميقة لا تبعث السرور في نفس الباحثين عن غاز رخيص دائما. ففي العام القادم بالذات يتوقع أن يتم في نهاية المطاف إنشاء سوق يمكن أن تتشكل فيه أسعار الغاز بحرية في ألمانيا.

ويتواكب هذا التطور مع الخط الصعودي في تزايد اعتماد البلدان الأوروبية على الغاز في ميزانها الطاقي لترتفع حصة الغاز فيه من الربع في الوقت الحالي لتشكل الثلث عام 2020.

كما أن عملية نقل الغاز ستشهد تحولا نوعيا هي الأخرى. فالآمال معلقة على الغاز المضغوط الذي يمكن نقله بواسطة الناقلات بحرا. وبذلك تتاح إمكانيات أفضل للبائع لكي يبحث عن المشتري الذي يعرض سعرا أعلى.

ومن خصائص سوق الغاز أنه من الناحية الجيولوجية يتمتع بأفضل المقدمات لقيام كارتل على غرار أوبك. فالثلاثي «الغازي» روسيا، إيران وقطر يحوي 55% من احتياطات الغاز العالمية. ولهذا فإن اتفاق عدد قليل من الدول يمكن يشكل سلطة مهيمنة في سوق الغاز، تتمتع بتأثير أشبه بأوبك.

وأخيرا، هناك بلدان تواجه صعوبات في تصريف غازها في الأسواق الأميركية والآسيوية والأوروبية. من هذه البلدان نيجيريا، فنزويلا وقطر. ومع النمو المضطرد لسوق الغاز العالمية فإن من مصلحة هذه البلدان تنسيق وتحديد الإنتاج مع الدول المنتجة الأخرى بهدف زيادة المداخيل.

وبرغم تردي الأسعار في سوق الطاقة العالمية حاليا بسبب الأزمة الاقتصادية العالمية، إلا أن الطلب عليها لا بد وأن يعاود الارتفاع من جديد. وعليه فقد جاء رد فعل مستهلكي الغاز على قيام هذه المنظمة قلقا. وعندما أعلن رئيس الوزراء الروسي أن عهد الغاز الرخيص انتهى، فإنهم يأخذون هذا «التهديد» بكل جدية.

كاتب بحريني

ajnoaimi@gmail.com