كيف يمكن قراءة أنباء التصعيد غيرالمبرر للتوتر العسكري المفاجئ والمتبادل بين الجارين الكبيرين الهند وباكستان؟.. وهل يمكن أن يقود هذا التوتر الذي دفعت إليه المؤسستين العسكريتين إلى حرب جديدة بين البلدين النوويين؟
بداية، وبالحسابات العسكرية والسياسية العقلانية والموضوعية وبحسابات المكسب والخسارة لكلا البلدين ولحلفاء البلدين، يبدو من المستبعد نشوب حرب رابعة بين البلدين النوويين بسبب تداعيات تفجيرات بومباي مهما بلغ حجم القصف الإعلامي أو التراشق السياسي بين الطرفين.. لسبب بسيط هو أن أيا من المسؤولين في البلدين لا يريد حربا..
ولسبب أهم هو أن نتائج حرب رابعة سوف تختلف جذريا عن نتائج الحروب الثلاثة السابقة، حيث لن يكون ممكنا حصر نطاق الحرب ولا السيطرة على تداعياتها ولا حصر أسلحتها، بما يجعل استخدام السلاح النووي ورد الفعل النووي المضاد بسوء التقدير أو سوء التدبير، وحربا في مثل تلك الحالة ـ لاقدر الله ـ فلن يكون فيها منتصر ومهزوم بل سيكون كلا الطرفين مهزومين، ولن تكون هذه هي الحرب الرابعة التي قد تؤدى إلى حرب خامسة بل سوف تكون الحرب الرابعة والأخيرة !
ثانيا.. ليس من مصلحة الشعبين ولا الدولتين ولا لأي من حلفاء وأصدقاء الدولتين، خصوصاً لطرفين رئيسيين هما أميركا حليف البلدين فيما يسمى بـ «الحرب على الإرهاب»، والصين العملاق النووي الثالث في تلك المنطقة المتفجرة، الصديق للباكستان والمجاور للهند، نشوب حرب بين هذين العملاقين الآسيويين في ظل الظروف العالمية والإقليمية البالغة الصعوبة والتشابك والتعقيد والتي لن يكون لأوضاعها القلقة من وراء أي انفجار بهذا الحجم المخيف فيها سوى الانهيار..
فضلا عن التأثيرات الخطيرة السلبية لمثل حرب كهذه على الأوضاع الأمنية في آسيا والمحيط الهندي التي يرتبط أمن الخليج بأمنها بدرجة شبه مباشرة.. ولهذا كان التحذير الأميركي واضحا للعاصمتين الهندية والباكستانية بمنع الانزلاق إلى مواجهة تخسر فيها الولايات المتحدة حربها في أفغانستان..
ومن هنا كان التحرك السعودي النشيط بزيارة وزير الخارجية الأمير سعود الفيصل لنيودلهي وإسلام أباد في مهمة مساع حميدة لمنع استمرار التصعيد العسكري بين البلدين.
وثالثا..لأن من شأن خسائر الحرب القضاء على مكاسب السلام التي تحققت بين البلدين في ظل خطوات التطبيع السياسي والاقتصادي والشعبي بين الجارين المتنازعين على «كشمير»، والمتنافسين على المكانة الاستراتيجية لكل منهما، بينما كانا في الأصل شعب واحد لدولة واحدة قبل استقلالهما عن بريطانيا في العام 1947.
فقد شهدت العلاقات الثنائية بين البلدين انفراجا واضحا بدءا من 18 أبريل 2003، بمبادرة من رئيس الوزراء الهندي ذاته آنذاك -آتال بيهاري فاجبايي- عندما أعلن «مد يد الصداقة إلى باكستان». وترحيب القيادة السياسية الباكستانية بالمبادرة الهندية، حيث بدأ الطرفان في إجراءات بناء الثقة أعقبتها عملية تطبيع منهجية، بمبادرات وإجراءات متبادلة.
لكن ربما نظن أن سوء تفسير متبادل اتسم بالمبالغة من كلا الطرفين للتحركات والاستعدادات العسكرية في أوضاع تمركز بعض القوات على هذا الجانب من الحدود أو ذاك أحدث تحركات دفاعية موازية تحسبا لأية احتمالات غير متوقعة أو غير محسوبة بما أوحى للوسائل الإعلامية بأن التوتر السياسي المشحون بالغضب بين البلدين قد بلغ هذه الدرجة العالية والخطيرة من التصعيد العسكري، وربما نظن أيضاً «أن تضخيما في الهواجس والشكوك جرى أويجري على خلفية السوابق الحربية بين البلدين، بما دعا إلى التحذير تحسبا من «شفير الحرب» أو قلقا من «حافة المواجهة»!