انتهى يوم أمس الأول عام هجري وبدأ عام هجري جديد، وبعد يومين نودع عاما ميلاديا يوشك على الرحيل لنستقبل عاما جديدا، وهكذا نكون قد وضعنا الأعوام التي ودعناها في خانة الماضي، ملقين بها خلف ظهورنا.
بهذا المفهوم إذن نودع أعواما ونستقبل أعواما، مضيفين أحمالا جديدة إلى الظهور المثقلة بالأعوام وما تفعله بنا الأيام التي تنقضي من أعمارنا ونحن نلهث خلف المستقبل الذي يأتي فلا نحس بمجيئه، ويذهب فيشتاق البعض منا إليه، بينما لا يترك في نفوس البعض الآخر منا سوى جروح يظل بعضها نازفا على أمل أن يتكفل الزمن بمعالجتها، رغم أن هذا الزمن هو نفسه الذي كان مستقبلا قبل أن يصبح حاضرا سرعان ما يتحول إلى ماضٍ وفق نسق الأيام التي ليس ثمة وسيلة لإيقاف دورانها.
إنها لحظة عاطفية إذن تلك التي نتوقف فيها عند نهاية عام وبداية عام، مودعين ومستقبلين، يحاول المتفائلون منا أن يعطوها طابعا احتفاليا متعالين على جروحهم، إن كان ثمة جروح قد تعرضوا لها خلال العام الذي طوى أوراقه ورحل، بينما يغلف الفريق الآخر هذه اللحظة بطابع من الحزن يسبغ عليها أجواء هي أقرب ما تكون إلى الطقوس الجنائزية التي نراها في مشاهد الرحيل الحزينة التي لا تخلو منها الحياة بحكم طبيعتها وسننها التي لا نملك تغييرها.
بين عام وعام ثمة نقطة سوداء تنعدم فيها الرؤية ولو لجزء صغير جدا من الثانية، كما يحدث لنا ونحن نقود عرباتنا على الطريق عندما ننظر في المرايا التي على جانبي العربة، هذه النقطة ربما تكون هي الفاصلة ونحن نتخذ قرارنا بالانتقال من حارة إلى حارة، فإما أن تفاجئنا عربة كانت في محيط هذه النقطة خلال هذه اللحظة فنصطدم بها، وإما أن يمر الموقف بسلام وتحدث عملية الانتقال بسلاسة دون مفاجآت أو أضرار.
هذه النقطة ربما كانت هي الفاصلة بين رؤية ورؤية، وربما كانت هي لحظة اللاوعي التي يغيب فيها العقل والمنطق فلا نرى من الحياة سوى جانب واحد فقط، هذا الجانب الذي يوجه دفة سفينتنا إلى وجهة دون أخرى، وربما تكون هي لحظة الوعي التي نعرف فيها أن ثمة جزءا من الصورة محجوب عنا فنتّئد حتى تظهر لنا الصورة كاملة من جميع زواياها، كي لا نغامر ونحن ننتقل من زمن إلى زمن فنعرض أنفسنا للمفاجآت والضرر.
ونحمِّل نفوسنا المثقلة أصلا بأحمالها أكثر مما تحتمل، وكي لا نضعها في زاوية ضيقة لا ترى من خلالها إلا في حدود الانفراج الذي يسمح به محور الزاوية، متناسين أو غير مدركين أن هناك زوايا كثيرة أخرى تكمل الدائرة، بعضها منفرج إلى أقصى حدود الانفراج، يطل على جوانب مشرقة كثيرة جدير بنا أن نشعر بها كي تكتمل الصورة ويستقيم ميزان الحياة وتتوازن كفّتاه.
عجيبة فعلا فكرة الانتقال عبر الزمن هذه حين نتأمل جوهرها ونغوص في أعماقها، فهي تحدث بشكل تلقائي لا خيار لنا فيه، لكن إحساسنا بها يختلف من زمن إلى زمن، تبعا للحالة النفسية التي نعيشها ونحن نعبر أجواء المنطقة التي نمر بها من رحلة الحياة. هذه واحدة من المسائل الغامضة التي لا نعرف لها تفسيرا، فالزمن هو الزمن لا تتغير حساباته المرصودة بالساعات والدقائق والثواني التي تتكون منها الأيام والشهور والأعوام.
لكن الذي يتغير هو إحساسنا الذي يجعل بعض الأوقات تمر سريعا حتى لا نكاد نمسك بشيء منها، بينما تتثاقل خطوات بعضها حتى نخال عقارب الساعة لا تتحرك من مكانها! فأي نوع من التناسب الطردي والعكسي هذا الذي يفرض نفسه على حركة عقارب الساعة وحالتنا النفسية، وأي قاعدة حسابية هذه التي نخضع لها دوران هذه العقارب كي نقيس المسافة التي قطعتها لنعيد برمجة أمزجتنا الداخلية التي لا تستقر على حال؟
ثمة أسئلة تم طرحها كثيرا، وستبقى مطروحة لأنها من نسيج القلق الذي نعيشه والزمن يتسرب منا على هذا النحو الخارج عن السيطرة تماما:
لماذا تندفع عربة الزمن من الخلف إلى الأمام دائما، ولماذا تتحرك عقارب الساعة من اليمين إلى اليسار دائما؟
لماذا لا تعود هذه العربة إلى الخلف ولو مرة واحدة فقط، ولماذا لا تعود عقارب الساعة إلى الوراء أو تتحرك من اليسار إلى اليمين ولو مرة واحدة فقط؟
أسئلة لا نجد لها إجابة سوى في كتب الخيال العلمي وأفلام السينما التي ربما تلبي توقنا إلى فكرة العودة بالزمن إلى الوراء، لكنها تنتهي مع آخر سطر في الرواية، أو مع كلمة النهاية التي تضاء بعدها صالة السينما وينتهي معها دور الممثلين، بينما نستمر نحن في أداء أدوارنا على مسرح الحياة، حتى لو بقيت كل أسئلتنا حائرة بلا إجابة، أو بقينا نحن في دائرة مغلقة من الأسئلة المحيرة.
سوف ينهمر علينا خلال اليومين المقبلين عدد لا حصر له من الملاحق والصفحات التي تحمل حصاد العام الذي انقضى وتوقعات العام الذي يفتح أبوابه على المجهول الذي نتوجس منه أكثر مما نتفاءل به عادة، وسوف نرى من الأحداث التي تحصيها لنا هذه الملاحق والصفحات ما لا يمكن أن نتصور حدوثه في عام واحد فقط.
هكذا عودتنا الأعوام السابقة رغم كل طاقات الأمل والتفاؤل التي نفتحها مع بداية كل عام جديد يهل علينا، فهل يمكن أن يكون هذا سببا كافيا لإغلاق هذه النوافذ وإدارة ظهورنا للعام الجديد والانكفاء على أنفسنا؟
سوف لن نبحث عن إجابة لسؤال كهذا لأنه من الأسئلة المثيرة للجدل التي ينقسم حولها البشر ويختلفون أكثر مما يتفقون، لكننا مدعوون إلى البحث داخل نفوسنا عن خيط ولو رفيع من الضوء ينير لنا الطريق ونحن نقطع المسافات ذهابا دون رجعة، منتقلين من عام إلى عام، حاملين معنا ورود الأعوام وأشواكها التي تأبى إلا أن ترافقها.
كل عام وأنتم بخير.
كاتب إماراتي