الوقف الفوري لكل العمليات العسكرية في غزة، الذي دعا إليه بيان مجلس الأمن؛ مطلوب في هذه اللحظات التي تتواصل فيها المذبحة الإسرائيلية، ضدّ القطاع وأهله. المشكلة في هذا البيان، أنه أعوج وبلا أسنان. فهو يتحدّث عن «كل» العمليات، موازياً بذلك بين مرتكب الجريمة والضحيّة. فضلاً عن أنه تجاهل ذكر المعتدي الإسرائيلي بالاسم.
وهنا تبدو بصمات الغطاء الأميركي واضحة، على النص. ثم هو بالنهاية بيان غير ملزم. لا هو طلب ولا طبعاً، هو قرار. فقط نوع من المناشدة، اقتضتها دواعي التخفيف من الإحراج. اكتفاء الهيئة الدولية المسؤولة عن السلم والأمن في العالم، بهكذا تدبير مائي، لا لون له ولا طعم، بوجه هجمة طاحنة من هذا العيار عدد ضحاياها مئات الفلسطينيين والحبل على الجرّار؛ أمر بالغ الخطورة.
ليس لأنه يؤكد شلل المجلس وتحكم الكبار فيه، فحسب؛ بل أيضاً لأن في ذلك إطلاق ليد إسرائيل ومنحها الوقت الكافي، لاستكمال فصول مذبحتها المرسومة. على الأقل هكذا ستقرأ إسرائيل البيان.
عملية العقاب الجماعي بالموت، دخلت يومها الثالث. ووفق وزير الدفاع الإسرائيلي، هي لا تزال في بداياتها. بل هو يؤكّد على أن قواته في صدد توسيع وتعميق عملياتها «بالقدر الضروري وطالما اقتضى الأمر». يعني أن حمام الدم، مفتوح في المدى كما في الوقت. التقارير تحدّثت عن حشود لقوات برية ومدرعات إسرائيلية على الحدود، مع القطاع.
وذلك كجزء من حملة «الرصاص المتدفق»، التي سبق لوزير الدفاع نفسه، أن أصدر أوامره بالإعداد لها، قبل أكثر من ستة أشهر؛ حسب ما ذكرت جريدة هآرتس الإسرائيلية.
زعم الوزيرة ليفني، بأن الخيار العسكري كان الخيار الوحيد المتاح أمام إسرائيل، ردّاً على صواريخ حماس الأخيرة؛ فضحه شاهد من أهله. مع ذلك تعلّقت واشنطن بهذه الذريعة، لتتهرب من إدانة المجزرة وتلقي بالملامة والمسؤولية على الجانب الفلسطيني؛ أولاً وأخيراً. حتى الإشارة إلى عدم تكافؤ الرد، غابت عن التعليق الأميركي؛ الذي كان همّه التأكيد على «تفهم» الموقف الإسرائيلي، من دون حتى توجيه ولو دعوة لفظية، لوقف النار.
جريمة بهذا الحجم والفجور الدموي، تستحق بل تفرض، قدراً اكبر من الجدّية. الدعوات إلى وقف العمليات وبصيغة مبهمة وعلى ضبط النفس وضرورة تفادي المدنيين وغير ذلك من مفردات المجاملة؛ لا تصحّ ولا تستقيم مع ما يجري في غزة. الموقف بحاجة إلى وقفة عربية ضاغطة، باتجاه استصدار قرار يلزم إسرائيل بوقف عربدتها الدامية، الآن قبل الغدّ؛ وقبل أن تتمدّد رقعة الحريق والتهديد.
