يدهشني أن يكون مقدم العام الجديد، مع التغيير الأساسي في الإدارة الاميركية بتولي أوباما رئاسة الدولة الأعظم بعد أسابيع.. فرصة جديدة لمواصلة الأمنيات الكاذبة عن سلام مرتقب في الشرق الأوسط.
فإذا تركنا جانباً أن أولويات الإدارة الاميركية الجديدة هي مواجهة الأوضاع الاقتصادية التي يبدو أن فريق أوباما قد اكتشف أنها أسوأ بكثير مما كان يعتقد لدرجة تحذير نائب الرئيس بإيدن (وهو المكلف بالإشراف على وضع استراتيجية مواجهة الأزمة) من أن الولايات المتحدة تواجه خطر الانهيار الاقتصادي الكامل.
وإذا تركنا جانباً أن العالم كله مشغول بمخاطر هذه الأزمة التي لم تعد دولة واحدة بعيدة عن آثارها الهائلة، فإن السؤال هنا هو: ماذا في يدنا لنرغم العالم على الالتفات لقضايانا؟ وما الذي يجعل إسرائيل راغبة في حل سوف تقدم فيه ما تعتبره «تنازلات».. وما الذي يدفع العالم للضغط عليها ( إذا كانت هناك إمكانية لذلك ) من اجل الحل المنشود؟
أظن إن إسرائيل لم تصادف منذ سنوات طويلة أوضاعاً أكثر ملاءمة لها مما تواجهه الآن على الجبهة الفلسطينية.. الحد الأدنى من الوحدة الوطنية الذي كان يضمن استمرار المسيرة انتهى، و الانقسام وضع القطاع تحت إمرة حماس، وترك لبقايا «فتح» إمارة رام الله.. وطرف يقول إنه يفاوض وآخر يرفع شعار المقاومة، والواقع يقول إنه لا تفاوض حقيقي، ولا مقاومة حقيقية، وإسرائيل في أنسب الأوضاع هنا وهناك
تفاوض لاستهلاك الوقت وتشديد القبضة و انتزاع التنازلات المجانية، وتبطش كما تريد بلا رادع حقيقي لا في الضفة ولا في القطاع.. تقتل المدينين وتنسف المنازل وتشدد الحصار وتفرض الجوع والمهانة على الشعب الفلسطيني المحاصر بانقسام قياداته وصراعهم على سلطة وهمية قبل أن تحاصره دبابات العدو.
ومنذ وقعت مأساة الصدام بين حماس وفتح، كان الأمل في تجاوز الأزمة يقوي أو يضعف ولكنه باقٍ. الآن يتغير المشهد ويدرك الجميع أن الانقسام سيظل هو سيد الموقف في المستقبل المنظور على الأقل، ويصبح الجهد المطلوب ليس لاستعادة الوحدة الوطنية التي أصبحت من آثار الماضي، بل حتى لا يتطور الوضع إلى انفصال لا رجعه فيه بين غزة و رام الله يضع القضية الفلسطينية في مهب الريح.
الحديث عن المصالحة والوحدة الوطنية هو مجرد فض مجالس، أما الحقيقة كما سمعتها مؤخراً من الاطراف الوطنية التي تعيش المأساة في الداخل الفلسطيني، فهو أن الأمر تجاوز نقطة اللا عودة، وأن الانقسام يتحول إلى انفصال، و أن كل طرف من الطرفين المتصارعين يتصرف على هذا الأساس.. حماس توطد سلطتها في غزة، و أبو مازن في رام الله، والشعب الفلسطيني الصابر المجاهد كفر بصراعات الإخوة الأعداء، و هذا يعقد الأمور أكثر لأن المتصارعين ؟
في هذه الحالة ؟ لن يرضوا بحكم الشعب و لن يذهبوا للانتخابات، وسيظلون قابضين على السلطة (أو ما يتوهمون انه السلطة) وسيظل كل طرف في انتظار التطورات القادمة في المنطقة آملاً أن ينتهي الصراع لصالح الاتجاه الذي يناصره.. والحقيقة أن فلسطين هي الخاسرة في كل الأحوال وأيا كانت نتيجة الصراع الدائر في المنطقة.. فلسطين خاسرة إذا اندلعت الحرب في المنطقة، وفلسطين خاسرة إذا تم التوافق بين المتصارعين. فلسطين خاسرة مادام الكل ينسى أول دروس التاريخ
وهو انه لم يحدث أن ربح شعب معركة حريته في غياب وحدته الوطنية.. حقيقة يتناساها الإخوة الأعداء وهم يخوضون صراعاتهم الصغيرة وطموحاتهم الأصغر والتي ربما تصل لمرحلة مخجلة مع تفجر الصراع على رئاسة السلطة بعد 9 يناير.. بينما الشعب الصابر الصامد يسأل أي رئاسة؟ وأي سلطة؟.. وإسرائيل تسعى بكل الجهد لتوطيد حل الإمارتين (إمارة غزة و إمارة رام الله) لتتحول التسوية الموعودة إلي تصفية لقضية فلسطين.
أثق أن كل ذلك إلى زوال، و لكن كم سيدفع الشعب الفلسطيني لكي يستعيد ما تبدد من يده بحروب الإخوة الأعداء، ولكي ينطلق من النقطة التي وقف عندما ذات يوم آملاً في وحدة وطنية تجسد الحلم الفلسطيني في التحرير والعودة ؟!
يا له من ختام حزين لعام كنا نسمع في بدايته انه سيشهد حل الدولتين و أن دولة فلسطين ستتحول إلى واقع قبل نهايته. وكنا نعرف انه حديث أوهام سوف يستمر في العام الجديد، وتستمر معه عمليات الاستيطان والحصار والقتل من جانب العدو الإسرائيلي، بينما الإخوة الأعداء يواصلون الحديث عن الوحدة الوطنية و يواصلون - في نفس الوقت - نسفها على الأرض.
و.. ليت الظنون تخيب، وليت الدم الفلسطيني ينجح ؟ كما نجح دوما قبل ذلك - في لم الشمل الذي تفرق، ومنع النكبة الجديدة من أن تكتمل فصولها، وليت العام الجديد يفتح أبواباً للأمل أغلقناها بأيدينا في عام مضى!!
كاتب صحافي مصري
