يطلق التغيير الإيجابي دائماً إمكانيات واسعة للتأسيس لمناخات مفترضة ضامنة للفهم والتفهم، من كل الأطراف التي سادت بينها علاقات سيئة جراء سلوك بعض هذه الأطراف، ولذلك تفترض سورية أن التغيير في الإدارة الأميركية، وقدوم الرئيس أوباما يشكل بذاته تغييراً، تأمل منه عودة الإدارة الأميركية لممارسة دور حيادي ونزيه كوسيط في عملية السلام بينها وبين إسرائيل، وأن ينطلق هذا الدور الأميركي في اللحظة التي تعلن فيها إسرائيل أنها جاهزة للانسحاب بشكل كامل من مرتفعات الجولان، وهذا ما يبدو أنه لم يحدث حتى الآن، إلاّ أن ذلك لا يشكل إلاّ جزئية أساسية من الصورة، ومن الأمل المعقود على فكرة التغيير كمدخل نحو الاستقرار والسلام في المنطقة، فالمشهد العراقي لم يتبلور بعد، فقوات الاحتلال ما زالت رابضة على أرض العراق، ولم تعلن الولايات المتحدة الأميركية بعد جدول انسحابها منها، ذلك أن الواقعية السياسية والرؤية العملانية تنطلق من أن الغزو قد حدث فعلاً والاحتلال قائم، وأن التعاطي مع هذه الوقائع يجب أن ينطلق من تطلع إلى المستقبل، وفهم سياسي عميق لموجبات السلام والاستقرار ، تلك الموجبات التي تحتم على الجيش الأميركي أن يغادر العراق، وأن يترك لشعب العراق حريته في الكيفية التي سيبني فيها دولته ووطنه، ويكون شريكاً كاملاً في تنمية المنطقة وازدهارها.

لقد فرضت إدارة الرئيس الأميركي جورج بوش بحروبها الاستباقية وصواريخها وتهديداتها غياب المنطق والقانون والشرعية الدولية مقابل إحلال منطق الحصار والتهديد واستخدام القوة وانتهاك القانون الدولي، ولذلك فإن العالم كله يأمل ويتطلع إلى بداية جديدة في العلاقات الدولية، تستند مجدداً إلى احترام القانون الدولي، وإعمال منطق الحوار والمصالح المتبادلة بين الدول لتعود بموجبه الولايات المتحدة الأميركية ضامنة بما تمتلكه من ثقل نوعي سياسياً واقتصادياً إلى ممارسة دورها في حل المشكلات والأزمات الدولية لا خلقها وتفجيرها أو صنعها. ‏

وفي الشرق الأوسط سيكون على إدارة أوباما كي تستعيد أميركا بعض سمعتها الدولية أن تضغط على الإسرائيليين ليعبروا بجدية عن الاستعداد للانسحاب من مرتفعات الجولان انسحاباً كاملاً، ومن كل الأراضي المحتلة عام 1967 وأن يعترفوا بقرارات الشرعية الدولية ذات الصلة بالصراع العربي ـ الإسرائيلي، وأن يحث الأميركيون حكومة إسرائيل بما لديهم من أدوات فاعلة بألاّ تكون سبباً لترسيخ النظرة الدولية نحو أميركا، بأنها تضع مصالح إسرائيل فوق مصالح العالم كله، وحتى قبل مصالح الشعب الأميركي. ‏

إن مصالح أميركا مع الوطن العربي ومع المسلمين في كل أنحاء العالم تحتاج إلى رعاية من الإدارة الجديدة، وجوهر هذه الرعاية أن يضع أوباما سلطته الفعلية في خدمة السلام الدولي، والاستقرار العالمي ولاسيما في المناطق الأكثر اشتعالاً وحساسية وهذا يحتاج بالضرورة إلى قراءة جدية لجغرافيا المنطقة وتاريخها وليس فقط تاريخ الصراع العربي ـ الإسرائيلي، كما يحتاج إلى التأكد من أن أي سلام لا يكون عادلاً أو شاملاً ومقبولاً على الأرض لا يمكنه أن ينهض واقعياً وسيشكل بذاته عنصر تفجير في وقت من الأوقات. ‏

إن السلام المنشود لا يكون جزئياً أو مؤقتاً أو هامشياً ولا يمكن أن يكون دائماً إلاّ إذا شمل الجميع، والتزم الجميع بصيانته وحمايته، وهذا يعني أن تغييب أي أحد عن هذه المسيرة أو استبعاد أي قوة على الأرض سياسية كانت أم عسكرية سيجعله عرضة للخطر، وفي كل حال فالأصل في المسألة قبل الديمومة وقبل الشمولية، وفي كل وقت من الأوقات وفي أي مفهوم من المفاهيم أن السلام يجب أن ينهي الاحتلال، والسلام هو نقيض الاحتلال، وهذا يعني إعادة الحقوق إلى أصحابها كاملة غير منقوصة، حق العودة، وحق تقرير المصير، في مقدمة هذه الحقوق. ‏

لقد بدا واضحاً أن إدارة بوش اختارت ألاّ يكون لديها في السياسة الدولية شركاء سوى إسرائيل في الشرق الأوسط وفي القوقاز وفي أميركا اللاتينية وجنوب شرق آسيا وفي إفريقيا وحتى في أوروبا. ‏

واليوم ينتظر العالم أن يقول أوباما إن الحياة مشتركة، وإننا شركاء وإن ما فعلته إدارة بوش أفسد الحياة، وأفسد التشارك.. ‏

طبعاً لا ننتظر أن يقول ذلك صراحة، ولكنه يستطيع أن يفعل ذلك سلوكاً وعملاً. ‏