أصبحت قضية التوطين من القضايا المهمة التي تسعى مختلف الجهات في الإمارات للاهتمام بها باعتبار أنها أولوية لا ينبغي تأخيرها لاسيما والدولة تشهد سنوياً تخرج أعداد كبيرة من أبنائها الذين يبحث كل منهم عن فرص عمل مناسبة لتخصصه ومؤهله فتفتح تلك المؤسسات التي تحملت مسؤولية التوطين والتوظيف أبوابها لهؤلاء الخريجين، وتسعى في جهود واضحة لتدريبهم وتوظيفهم سواء في القطاع العام أو الخاص إلى أن تجد فرص العمل المناسبة لهم.
وعلى الرغم من تقديرنا للجهود التي تبذلها مختلف المؤسسات من اجل التوظيف والتوطين وما يتبعهما من جهود في التدريب والتأهيل إلا أننا نستغرب عدم تكامل الأدوار وتنسيقها بين كل هذه المؤسسات التي أنشئت في الغالب على مستوى محلي وأصبح معظمها يعمل بشكل مستقل عن المؤسسات الأخرى، الأمر الذي ترتب عليه ازدواجية، وتكرار وعدم دقة في البيانات المسجلة عن الخريجين، وهو ما يدعونا للتساؤل: طالما أن المؤسسات جميعها تعمل من اجل هدف واحد، وتقوم بجهود مماثلة، فلماذا لا يتم التنسيق بينها من خلال آليات تضمن جدوى هذه المؤسسات، وجدوى الميزانيات الضخمة التي تنفق عليها والتي تفوق في اغلب الأحيان النتائج التي تتوصل إليها.
إن ما نعرفه في كل الدول المؤسسية أنه تسند مهمة التوظيف والتعيين، أو تدريب الكوادر الوطنية فيها إلى مؤسسة حكومية واحدة تنصب فيها كل الجهود، وتصبح المرجعية الوحيدة للخريجين أو المتقاعدين الباحثين عن عمل أو غيرهم ممن يرغبون في تغيير عملهم بعد سنوات قضاها الواحد منهم في عمل واحد لم يعد يجد فيه تحديا يدفعه لتطوير أدائه.
وهو الأمر الذي كنا نأمل وجوده في دولة الإمارات، وبفضل الإصرار عليه وُجد وأصبحت هيئة تنمية هي المؤسسة التي تتحمل هذه المسؤولية إلا أن هيئة تنمية ليست المؤسسة الوحيدة في الدولة التي تتحمل هذه المسؤولية، وليست المؤسسة الملزمة بقراراتها في التعيين خاصة ونحن نتحدث عن قطاع حكومي أصبح مستقلاً في قراراته على المستوى الاتحادي أو المحلي، وقطاع خاص لا نمكن إجباره بالقوة على التوطين لان إجباره يعني تدخلاً سافراً في صلاحياته وآليات عمله وأسلوب إدارته، وهو ما يستدعي التحاور والمشاركة معه من اجل تحقيق هذه الأهداف.
أضف إلى ذلك ان المسؤوليات التي تنهض بها «تنمية» تقوم بها مؤسسات أخرى محلية تسعى للهدف نفسه. فلماذا هذا التعدد والتنوع في المسميات والهياكل المؤسسية والصلاحيات والميزانيات، في دولة كالإمارات لا تضم أعداداً كبيرة من الخريجين التي تستدعي وجود كل هذه المؤسسات لهدف واحد وهو التوطين والتوظيف، وليست بحاجة لأن تبعثر جهودها وميزانياتها بين هياكل مؤسسات متعددة يفترض التوحيد بين جهودها ليس على مستوى التنسيق فحسب ولكن في آليات عملها أيضاً.
إن الاتحاد هو الذي جمع أبناء الإمارات، والاتحاد هو الذي ينبغي أن يوحد بين جهود المؤسسات وان كان لكل إمارة أجندة خاصة بها وفق احتياجاتها ومستوى التنمية والتطور فيها، لكن ذلك لا يعني بأي حال من الأحوال أن تعمل كل إمارة بشكل مستقل عن الإمارة الأخرى، فما يهمنا في موضوع التوطين والتوظيف أن يسير العمل فيهما وفق خطة واضحة لا تضيع الجهود والميزانيات ولا تخلق فوضى لا تعرف كل مؤسسة كيف تعيد ترتيب أوراقها في ضوئها.
