أفهم أن يستنكر عربي حادثة إلقاء حذاء في وجه جورج بوش.. ويسكت. لكن كيف أفهم أن يستثمر عربي هذه الفرصة ليدافع عن سياسة بوش تجاه العراق والشعب العراقي والشعوب العربية والإسلامية عموماً، ملتمساً له تبريرات ومعاذير وذرائع.
في آخر اجتماع للجمعية العامة للأمم المتحدة ألقى الرئيس بوش خطاباً على هذا الجمع الدولي، وعندما اعتلى المنصة في اليوم التالي هوغو شافيز رئيس فنزويلا الذي اشتهر بسياسته الراديكالية ضد النفوذ الأميركي العالمي، افتتح خطابه الارتجالي بالقول: «أمس مرّ الشيطان من هنا»! والإشارة التي لا تخفى كانت إلى جورج بوش.
وفي تقديري أن صفة «شيطان» لا تختلف جوهرياً عن صفة «مجرم حرب». فالعدوان على البشر بمستوى مذابح بالجملة رجس من عمل الشيطان. فهل يختلف فعل الصحافي العراقي منتظر الزيدي تجاه جورج بوش عن قول الرئيس شافيز؟
في القاعة التي وقعت فيها حادثة الحذاء في بغداد، كان هناك مجرم حرب جدير بالعقاب على أي نحو وأي شكل، وربما نفهم أن يكون هناك عرب تغلب عليهم حساسية الشعور واعتبارات «الذوق السليم» ما دفع بهم إلى استنكار استخدام الحذاء كوسيلة للتعبير وليس استنكار رد الفعل الغاضب من حيث المبدأ.
لكن كيف وعلى أي نحو نفهم جنوح آخرين إلى تنصيب أنفسهم كمحاميي دفاع عن رئيس دولة أمر بشن حملة غزو عدواني غير مشروعة على شعب عربي مسلم أسفرت حتى الآن عن مليون قتيل وخمسة ملايين مشردين في الداخل أو لاجئين في الخارج؟ لقد قالوا فيما قالوا إن بوش حرر العراقيين من ديكتاتورية صدام تدشيناً لمرحلة جديدة لدخول الشعب العراقي رحاب الأمان والديمقراطية.
ومن الفوارق أنه في الوقت الذي يكرر فيه بعض العرب هذه الخدعة الدعائية، فإن أغلبية الشعب الأميركي نفسه استيقظت من هذا الوهم، كما تعكس استطلاعات الرأي، فبينما يستعد بوش لمغادرة المسرح، يسجل انحطاط شعبيته بين قومه داخل الولايات المتحدة إلى رقم قياسي لم يعرف له مثيل في سابق عهود الرؤساء الأميركيين المتعاقبين.
ومن الفوارق ذات الصلة، أنه بينما لا يزال هناك عرب يدافعون عن بوش وإدارته، يناقش الكونغرس الأميركي تقريراً يثبت أن ممارسات التعذيب في معتقل أبو غريب العراقي وغيره، لم تكن عمليات معزولة ابتدعتها عناصر من الصفوف الدنيا في القوات الأميركية، وإنما كانت تجري بناء على سياسة عليا معتمدة من إدارة بوش ممثلة في وزير الدفاع السابق دونالد رامسفيلد، وتصنف بالتالي كجرائم حرب. والشيء بالشيء يذكر: كان ضحايا التعذيب العراقيون يتلقون ضربات عنيفة على الرأس من أحذية الجنود الأميركيين.
