لا تزال أعمال القرصنة قبالة السواحل الصومالية تتواصل، رغم كل التهديدات العربية والدولية باستخدام القوة العسكرية للتصدي للقائمين بها، بل ورغم تدخل بعض القوى البحرية للحد من انتشار تلك الظاهرة، والتي كان أحدثها إرسال الصين ثلاث سفن من بحريتها للمساعدة في كبح جماحهم.
هؤلاء القراصنة، الذين أصبحت لديهم قاعدة محصنة خاصة بهم في منطقة آيل القريبة من جمهورية بورت لاند غير المعترف بها، لا يبدو أن تدخلا مباشرا للقضاء عليهم وبصورة نهائية يعد أمرا قريب المنال، رغم أن موقع هذه القاعدة وإحداثياتها معروفة لدى القوات الأميركية والفرنسية.
ورغم تصعيد عصاباتهما هجماتها في خليج عدن والمحيط الهندي قبالة الصومال، مما ألحق خسائر فادحة بالسفن التي تتخذ من محيط سيطرتهم طريقا لها، تمثلت في ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين نتيجة اضطرارها إلى تغيير مسارها، في حين أنها جلبت للقراصنة أنفسهم عشرات الملايين من الدولارات، في صورة فدى حصلوا عليها مقابل مختطفيهم، الأمر الذي دفع المجتمع الدولي للتقليل من الحراك بعد أن لزم الصمت وقتا طويلا، وبدأت بعض الدول بإرسال سفنا من أسطولها البحري إلى المنطقة.
وعلى الرغم من تلاشي دور الأمم المتحدة في كثير من القضايا الدولية، وتحولها إلى مجرد «سكرتارية» للبيت الأبيض، فإن الوضع في مياه خليج عدن خطير جدا، وبصورة تجعلنا نعلق آمالا واسعة على أن يكون لهذه المنظمة دور فعال هذه المرة، في حفظ الأمن والسلام في هذا الممر المائي المهم، الذي تبحر فيه نحو 20 ألف سفينة كل عام إما آتية أو ذاهبة إلى قناة السويس.
وأضحى كل ما يبحر فيه فريسة سهلة لعصابات تجوب الأرض والبحر فسادا، ولا تجد من يضع حدا لها، لأنها تنطلق من بلد يمثل، منذ انهيار نظام الرئيس محمد سياد بري، ساحة لقادة الحروب الذين قضوا على سيادته واستقراره، لتمتد الفوضى الداخلية إلى خارج حدوده، وتطال كل ما تصله أيدي عصابات مسلحة لا تجد من يتصدى لها.
وبعد أن كانت أنشطتها مجرد الهجوم على سفن تنتهك سيادة بلادهم، تحولت إلى عمليات خطف سفن تجارية ويخوت سياحية في طريق الملاحة الدولي، وباتت شبكتهم على قدر عال من التدريب، ومزودة بأجهزة اتصالات وأجهزة رصد وقوارب متطورة، تمكنهم من تنفيذ عمليات القرصنة بدقة وفرض شروطهم على شركات الشحن العالمية، ليصبحوا بفضل ما يحصلون عليه من أموال «أمراء للبحار»، بل وباتت أعمالهم تستهوي الآلاف من الشباب الصومالي الفاقد للأمل بحياة كريمة.
