في الوقت الذي تتواصل فيه الجهود عبر عدة قنوات ومن خلال اطراف عدة من اجل محاولة تمديد التهدئة بين اسرائيل وحماس في قطاع غزة المحتل لفترة اخرى، فإن التصريحات التي ادلى بها الرئيس السوري بشار الاسد حول امكانية الانتقال بالمفاوضات بين سوريا واسرائيل الى مرحلة المفاوضات المباشرة تعد على جانب كبير من الاهمية، خاصة بالنسبة لما يمكن ان تشهده المفاوضات السورية- الاسرائيلية غير المباشرة التي تتم برعاية تركيا.

ومع الوضع في الاعتبار ان تصريحات الرئيس السوري تزامنت مع المباحثات التي اجراها ايهود اولمرت رئيس الوزراء الاسرائيلي المستقيل في العاصمة التركية انقرة، وما عبرت عنه تركيا من استعداد لاستئناف دورها في الوساطة، خاصة وان الجولة الاخيرة من المحادثات والتي كانت مقررة في سبتمبر الماضي تأجلت بطلب من اسرائيل، فإنه من الواضح ان سوريا واسرائيل تقتربان بالفعل من مرحلة الدخول في مفاوضات مباشرة قد تحددها الجولة القادمة من المحادثات غير المباشرة بينهما والمتوقع ان تكون خلال الفترة القريبة القادمة.

على اية حال فإنه اذا كانت حكومة اولمرت تفضل الحفاظ على حالة الهدوء في قطاع غزة، سواء لتجنب اطلاق الصواريخ الفلسطينية في اتجاه المستوطنات، والذي ادى الى انتقادات متزايدة من جانب المستوطنين وسكان المدن القريبة من غزة لحكومة اولمرت ولفشلها في وقف اطلاق الصواريخ، او لكسب مزيد من الوقت لتكريس الانقسام الفلسطيني بين حماس وفتح في ظل حالة الهدوء، مع الاستعداد بشكل افضل للانتخابات الاسرائيلية القادمة المقررة في العاشر من فبراير القادم، فإنه يمكن القول بأنها تملك بالفعل امكانية تحقيق ذلك لو ارادت.

فمن خلال تخفيف الحصار العنصري على قطاع غزة المحتل ومن خلال ادخال المساعدات والوقود الى القطاع ومن خلال فتح المعابر مع القطاع، ومن خلال الالتزام بمقتضيات التهدئة كما كان متفقا عليها، فإن حماس والفصائل الفلسطينية الاخرى لن تمانع على الارجح، بل بالتأكيد في تجديد الهدنة لفترة اخرى. لانه من المعروف ان رفض تجديد الهدنة من جانب الفصائل الفلسطينية في غزة استند على عدم التزام اسرائيل بشروطها. وبرغم ذلك فإنه يبدو ان الاحزاب الاسرائيلية دخلت مرحلة المزايدة الانتخابية فيما بينها، والثمن هو مقدرات الشعب الفلسطينى وحياة ابنائه.

وفي ظل ما هو معروف من ان الاوضاع في قطاع غزة المحتل والتي تتدهور بشكل حاد ومتواصل، تحتاج الى تدخل دولي قوي للحيلولة دون حدوث كارثة انسانية في القطاع، فإنه من المهم والضروري ايضا ان تسعى الفصائل الفلسطينية، وفي مقدمتها حركتا فتح وحماس، الى العمل بشكل جاد ومخلص لاستعادة الوحدة الوطنية الفلسطينية مرة اخرى وتجاوز الشقاق الراهن واعادة استجماع القوة الفلسطينية بقدر الامكان لان ذلك من شأنه ان يدفع اسرائيل نحو اعادة النظر في ممارساتها الارهابية في الاراضي الفلسطينية المحتلة في القطاع والضفة الغربية.

اما بالنسبة للمفاوضات السورية ـــ الاسرائيلية واحتمالاتها، فإن تصريحات الرئيس السوري وحديثه عن ارساء «الاساس المتين»، من خلال المفاوضات غير المباشرة، لاقامة «البناء الكبير» فوقه، عبر المفاوضات المباشرة، وما سبق ذلك من مقترحات سورية لاسرائيل ، من شأنها ان تدفع نحو الاعتقاد بشكل متزايد بأن دمشق وتل ابيب تقتربان اكثر من الاتفاق على السلام فيما بينهما، لتدشنه ادارة اوباما. صحيح ان هناك تحذيرات من جانب رئيس حزب الليكود بنيامين نتانياهو لحكومة اولمرت بعدم التفاوض مع سوريا، ولكن الصحيح ايضا انه من غير المستبعد ان يسير اولمرت وليفني خطوات تجعل السلام مع سوريا يحتاج فقط الى مجرد الاشهار في حفل التوقيع ، وهو ما سيكون له بالقطع اثر كبير في المنطقة كلها، بما فيها غزة ولبنان ايضا. فهل يحدث؟