يبدو أن الأزمة الاقتصادية التي ضربت العالم واستنفرت كل جهود المؤسسات المالية والسياسية الدولية إضافة للحكومات والقطاع الخاص كان لها وقع آخر في أفريقيا. فالأزمة التي ضربت العديد حول العالم متسببة في الكثير من الخسائر المالية وجدت منفذاً في أفريقيا يتمثل في إعادة القارة السمراء لحقبة الصراع والحروب الأهلية وبيع السلاح والتجارة غير المشروعة بعد سنوات من الاستقرار النسبي الذي شهدته القارة في العقد الماضي.

وحيث يحقق البعض أرباحاً من وراء هذه التجارة المحرمة فإن الإنسان الأفريقي أصبح اليوم الأكثر حرماناً وجوعاً وتضرراً ويأساً في العالم. وما تبشر به الأحداث في القارة السمراء ليس إلا مزيداً من القتل وسفك الدماء والأعراض والهوان على الناس، بينما ينظر الإنسان حول العالم إلى أخيه الإنسان في أفريقيا بعين الشفقة والمواساة لا بعين المساعدة والتدخل.

على الجانب الاقتصادي فإنه معلوم ما تعانيه القارة من بؤس الغلاء وشح الماء والطعام. فالجفاف الذي ضرب أنحاء كثيرة خاصة القرن الأفريقي ترك شعوب جنوب وشرق السودان والصومال وإثيوبيا وإريتريا يحاربون من أجل البحث عن قوت يومهم في ظل نشوب صراعات دامية من مقديشو وحتى دارفور.

وليس أبرز من زيمبابوي التي تعاني من أزمة اقتصادية وصلت بالتضخم لحد نسبة الملايين في المئة ودفعت بالأزمة السياسية لحافة الانفجار وأرسلت موجة من اللاجئين لجنوب أفريقيا مما تسبب في أزمة إنسانية وسياسية لكل منطقة جنوب القارة الأفريقية. هذا عدا عن انتشار الأوبئة كالكوليرا التي ضربت زيمبابوي. وفي موزمبيق يواجه 350 ألف شخص نقصاً حاداً في الغذاء.

و لكن الحصان الرابح في كل هذا الجنون هو تأجيج الصراع المسلح حيث المكاسب المادية الحقيقية. فالصراع اليوم قائم في الصومال والسودان والكونغو ونيجيريا وبوروندي على سبيل المثال. وموريتانيا شهدت انقلابا عسكرياً تبعه مؤخراً انقلاب آخر في غينيا يوم الأربعاء الماضي جاء بحكم العسكر. وكينيا على شفا أزمة سياسية يجب عليها تداركها فوراً قبل أن تتحول إلى صراع مسلح.

كذلك الوضع هش فيما يخص مسألة الصحراء الكبرى وهي مسألة تمتد من المغرب وحتى مالي. عدا إمكانية أن تتحول الأزمة الزيمبابوية إلى صراع مسلح آخر.

الصراعات المسلحة تجتاح أفريقياً رويداً رويداً مبشرة بعودة حقبة السلاح والمال غير النظيف.

وطالما أن هناك من يستفيد من البيع والشراء خاصة في عهد ازدهار هذه التجارة أوقات الأزمات الاقتصادية والمالية فإن الإنسان الأفريقي هو من سيدفع الفاتورة بينما يقف العالم مرة أخرى للتفرج على واحدة من أكبر الكوارث الإنسانية. كارثة الفشل في مساعدة من هم حقاً بحاجة للمساعدة.