تعدد جوازات السفر لا تقف عند حد كونها انعكاسا لواقع التمزق السياسي، لأن هذا الواقع يفرض بالضرورة ضعف الأمة السياسي، لأن الفواصل والفوارق أيا كان نوعها اقتصادية كانت أم عسكرية أم دينية أم سياسية، لا تعمل إلا على تفكيك الكتلة الهائلة وتقطيعها إلى جزيئات صغيرة، وهذا يبذّد بالتالي طاقات الأمة ويجعلها بلغة السياسة أمّة غير مبادرة ما دامت تعمل وفق قواعد ردود الأفعال لأنها مكبلة بعجزها عن المبادرات وصناعة الأفعال.

هذا الضعف السياسي لا بد وأن تتوالد منه سلالات أخرى من الضعف، كالضعف العسكري والضعف الاقتصادي والضعف العلمي والضعف الإعلامي، وهنا على مشهد الحج ينعكس الضعف الاقتصادي على مستوى الفارق الاقتصادي للحجاج الذين يتراوحون بين المستمتعين بالحج على درجة النجوم الفندقية الخمس، وبين مفترشي الشوارع والأرصفة بل والحمامات العمومية في أماكن المشاعر بلا استثناء في تفاوت طبقي لا يجسد حتى رائحة التكافل الذي امتدحه الحديث النبوي الشريف: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد.

إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر»، لأن الفتات الذي يلقيه المسلمون الموسرون والمترفون اليوم لفقرائهم ومُعوِزيهم ليس استجابة مخبتة للأمر الإلهي، وليس استشعارا لأوجاع الحمى وأرق السهر، بل هو تقليد يُنشّط إحساس الفوقية والتعالي عند الموسرين، وينشط عند الفقراء الذاكرة بالدونية وباليأس أو بالتكاسل عن المبادرة إلى التغيير.

وبهذه التتابعية يصبح الضعف الاقتصادي أو الفقر نتيجة حتمية للضعف المعرفي، أو للجهل والتخلف، حتى أنه يطل برأسه من كل زاوية من زوايا مشهد الأمة المصغر في موسم الحج، بل إن الجهل والتخلف يكادان أن يستجديا من يضع حدا لمآسيهما وجرائمهما بحق الأمة، فلا يكاد جانب من جوانب حياة المسلمين أن يسلم من شرورهما وعبثهما، إن كان من جهة الكم المعرفي والتقني والتنظيمي والإداري، أو من جهة الالتزام بقواعد وتعليمات الحركة والتوقف أثناء أداء المناسك، أو من جهة التعامل والسلوك بين المسلمين بعضهم البعض،

وبهذا فإن الحُجاج الذي أتت بهم رواحلهم من فجاجهم العميقة إلى بيت الله إتماما لعبوديتهم وتطهيراً لذنوبهم، إذا بالجهل يجعلهم يتقربون إلى الله لا بالمسح على أحزان المتعبين ولا باقتسام كسرة الخبز مع المحرومين، بل بإيذاء الآخرين إلى الحد الذي يصل إلى وطء أجساد من يتعثر من العجزة والمسنين والنساء، وبأمثال هذا من الذنوب والآثام والإغراق في الأنانية.

هذا الجهل وهذا التخلف هما المتهمان في جريمة عدم الفهم لمقاصد الشريعة عند جموع المسلمين، وعن عدم إدراك المفاهيم التي جاءت بها، وعن عدم استيعاب المسؤولية التاريخية التي لا يعفى منها مسلم واحد مهما جمع من الأعذار، ولأنها جموع لم تقتدر لأسباب اقتصادية وثقافية وسيكولوجية وإيديولوجية على مواكبة عصر العلم والإبداع والإنتاج والسلوك الإنساني واحترام النظام والقواعد العامة،

وبهذا يكون المسلم كفرد والأمة كمجموع هما المسؤولان الأولان والأخيران عن الانطباع المتكون عند غير المسلمين وحتى عند «المتمسلمين» ومعتنقي الليبرالية الغربية الذين يعيدون تدوير هذه المشاهد التي لا تتوافق مع قيم الإسلام ومفاهيمه، إما لتصوير الإسلام على أنه دين ملتصق بالتخلف كلازمة من لوازمه، وإما لادعاء أنه مغرق في المثالية لدرجة أنه غير قابل للتطبيق.

وبهذ الواقع المرّ فإننا يجب أن نعترف بأن جموع المسلمين اليوم لا تصلح لا لتمثيل الإسلام، ولا لتكوين الأمة التي قال الله عنها: «وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس..» (الآية 143، سورة البقرة)، فمن ليسوا بشهداء على أنفسهم، لا يصلحون لأن يكونوا شهداء على الناس؛ وما ذاك إلا لأن المسلم لم يتقولب وفق معطيات الإسلام فلم يقدر على تقديم صورة حية عن النموذج المثالي للإنسان في نسخته الإسلامية، ولأن الأمة لم تتحرك ـ وهي بلا قيادة مركزية وبلا رؤية عبقرية ـ وفق معطيات المنهج والتاريخ، فإنها لم تنجح بالتالي في إعادة بناء نفسها وتقديم تطبيق واقعي مُعاش عن النموذج المثالي للدولة وللأمة أو بعضا منه.

هنا تأتي الآية 28 التالية من سورة الحج: «ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله..» لتكمل عناصر الدلالة السابقة ولتؤكدها بدلالتين أُخريين مدهشتين الأولى في اختيار لفظ «ليشهدوا» فإذا لم تكن مشاهدة واقع الأمة رأي العين منفعة من تلك المنافع، فأي جدوى قد تجنيها الأمة من المنافع الدنيوية الأخرى؟ والثانية في تقديم «مشاهدة المنافع» على «ذكر اسم الله».

إذ لو كانت الأمة «تذكر اسم الله» ولكنها غائبة الوعي أو شاردة الذهن عن واقعها، فمن ترى سيتصدى للتحديات والمكائد والمخاطر التي تترصدها من بين يديها ومن خلفها وعن يمينها وعن شمالها ومن فوقها ومن تحت أرجلها؟ وإذا لم تلتقط سيول الحجيج كل هذه الملاحظات الخطيرة وهي تلتقط حصيّات الجِمار، فأي شيء آخر له قدرة الحج العجيبة أو عُشر قدرته على اختصار المشهد واستثارة الحفيظة؟

ولكن تألق الدلالات والإشارات لا يصل إلى منتهاه إلا والحق تباركت أسماؤه يختتم الكلام في الآيات التالية للحديث عن شعائر الحج بقوله: «إن الله يدافع عن الذين آمنوا، إن الله لا يحب كل خوّان كفور» إلى أن يقول: «الذين إن مكّنّاهم في الأرض أقاموا الصلاةَ واتوا الزكاة وأَمَروا بالمعروف ونَهوْا عن المنكر، ولله عاقبة الأمور» (الآيات 38 ـ 41، سورة الحج)، إذن هناك فرصة جديدة تمنح للمسلم لمعاودة المحاولة من نقطة البدء بالرجوع «كيوم ولدته أمه»، إنها فرصة غير مثقلة بأوزار الماضي الأليم.

ولكنها فرصة مشروطة بشرط «من حج فلم يرفث ولم يفسق»، فالرفث والفسوق والجدال كلها سلوكيات متضادة ومتصادمة مع فكرة التغيير، فهي تعيق عنده عملية التفكّر في مغزى شعائر الحج وبهذا يخسر مضمون عبادته، وتعيق الهدوء والتركيز اللذين تتطلبهما عملية تشخيص مشهد الأمة وبهذا تخسر الأمة جهوده، وتعيق عملية الالتفاف من المسار الخاطئ لاختيار المسار الصحيح ومحاولة ابتدائه بجهود الإصلاح من النقطة التي يقف عليها، وبهذا يخسر نفسه لأن «الله لا يحب كل خوّان كفور».

كاتب إماراتي

opinion@albayan.ae