يقترب البركان من الانفجار في أوكرانيا، حيث زاد الصراع على السلطة بشكل كبير حتى أصبح على وشك أن يأخذ طابع الصدام والتضارب بين مختلف القوى بعد أن زادت الاتهامات المتبادلة بين الأطراف عن حدها ووصلت إلى حد التخوين والاتهام بالعمالة والرشاوى الكبيرة.

هذا في الوقت الذي يعاني فيه الشعب الأوكراني معاناة حادة ربما تجعله ينفجر في وجه الجميع ممن يتصارعون على السلطة، سواء منهم من يعتمد على الغرب وواشنطن مثل الرئيس يوشينكو أو من يعتمد على موسكو مثل المعارضة بزعامة يانكوفيتش، بينما رئيسة الحكومة تيموشينكو تمسك العصا من المنتصف فتميل ناجية موسكو كثيرا وتساومها بالغرب أحيانا.

وقد أصبحت مسألة تشكيل ائتلاف حاكم في أوكرانيا لعبة عبثية مثيرة للسخرية، فمنذ أقل من أسبوعين توصل الحوار بين جناحى البرتقاليين، بوساطة رئيس البرلمان فلاديمير ليتفين، إلى تحالف ثلاثي يضم أنصار الرئيس يوشينكو وكتلة تيموشينكو البرلمانية. وذلك بعد أن كانت رئيسة الحكومة قد توصلت إلى اتفاق مع كتلة (الأقاليم) البرلمانية المعارضة التي يتزعمها فيكتور يانيكوفيتش، وللمرة الثالثة على التوالي تعود يوليا تيموشينكو لشن حملة ضد الرئيس يوشينكو وتطالبه بالاستقالة.

وتتهم تيموشينكو الرئيس بالتآمر للتسبب في حدوث انهيار مالي في البلاد، بسبب انخفاض سعر العملة الأوكرانية (غريفنا) والذي تراجع بشكل كبير أمام العملات الأجنبية الأساسية. ومن جديد تتفجر الساحة السياسية في أوكرانيا في ظل أزمة توشك على تدمير الاقتصاد، سببها تراكم مديونية أوكرانيا لشركة (غاز بروم)، لدرجة تهدد معها الشركة الروسية بإيقاف إمداد البلاد بالغاز اعتبارا من بداية العام القادم.

ولم يعد مفهوما ماذا يريد هؤلاء البرتقاليون على اختلاف درجات اللون «الثوري» الذي وضع مصير أوكرانيا في مهب الريح وأمزجة وصراعات بعض القيادات التي لا تدخل مصالح البلاد والمجتمع في أولوياتها أو جدول أعمالها.

فالسيدة تيموشينكو تتنقل بين خطوط السلطة والمعارضة كل أسبوع مرة، لتعمق أزمة البلاد السياسية وتزيد من مخاطر انقسامها، وبعد أن قدمت وعود للشعب بانتهاء الأزمة السياسية منذ أقل من أسبوعين بالإعلان عن تشكيل ائتلاف ضم الكتلة الموالية للرئيس «بلادنا أوكرانيا ـ الدفاع الشعبي الذاتي»، وكتلة يوليا تيموشينكو وكتلة ليتفين، عادت لتشن حملة ضد شريكها بالأمس وخصمها اليوم يوشينكو.

أما الرئيس الأوكراني الذي يشعر بضعفه السياسي الذي يتزايد يوميا، يزيد من خضوعه وارتمائه في أحضان الغرب والولايات المتحدة على أمل أن يجد الدعم اللازم للبقاء في منصبه، وإن كان أمله يضعف تدريجيا مع رحيل إدارة بوش في واشنطن.

هذا الوضع يمكن أن نلمسه بوضوح في توجهات كل الأطراف التي تتحكم في مقدرات أوكرانيا والتي تتقدم أولوياتها مهمة البقاء في السلطة، والاستفادة من نفوذها السياسي رغم تفاقم أزمة الديون الأوكرانية المترتبة على استيراد الغاز الروسي، ما يهدد بتقليل كميات الغاز التي تقوم شركة (غاز بروم) الروسية بتوريدها لأوكرانيا.. وحتى هذه اللحظة تنعدم آية جهود لوضع برنامج لإنقاذ البلاد من تداعيات الأزمة المالية، كما لا توجد أي خطط جادة لسداد الديون.

وذلك في وقت تواصل روسيا تنفيذ خططها بتشييد خط أنابيب الشمال لنقل الغاز إلى أوروبا، والذي لن يمر عبر الأراضي الأوكرانية، ما يعني ان روسيا في طريقها للاستغناء عن خطوط نقل الغاز التي تمر عبر أوكرانيا، ما يتسبب في فقدان عائدات نقل الغاز الروسي في وقت تحتاج فيه أوكرانيا لأموال طائلة لإنقاذ الاقتصاد الوطني.

بات واضحا أن البلاد تشهد أزمة سياسية ـ اقتصادية طاحنة ستقود بالضرورة إلى انهيار أوكرانيا، وتحلل أجهزة الدولة التي فقدت عمليا دورها، وينبئ الوضع الراهن بأن البلاد باتت مهددة ليس فقط بانهيار الدولة، وإنما بالانقسام إلى شرق وغرب، وإلى سيادة حالة من الفوضى السياسية والاقتصادية سببها الصراعات الدائرة للحفاظ على المكاسب الشخصية للقيادات السياسية.

لا شك أن استمرار الحال من المحال، وأن هذا الوضع إن لم يحسم خلال الفترة القادمة سيؤدي لانفجار غضب شعبي عارم، ولكنه لن يكون برتقاليا هذه المرة لأن الدافع له هو تدهور الأوضاع المعيشية وحياة المواطنين.

كاتب ومحلل سياسي أوكراني

vladi1949@mail.ru