لا نقصد بعلاقة العرب بأميركا علاقتهم بالولايات المتحدة، خاصة بجانبها السياسي على وجه التحديد، كما هو الدارج، بل نقصد علاقة الشعوب العربية ومساهمتها في ارتياد القارة الأميركية، أو بالأحرى القارتين الأميركيتين مضافاً إليهما أميركا الوسطى، في بواكير اكتشاف هذا العالم الجديد الذي بدأ على يد كولومبس في العام 1492.
ترى، هل كان للعرب رحالة ارتادوا تلك الأصقاع في تلك القرون التي خلت ليؤسسوا لوجود عربي سيتكاثر فيما بعد ليشكل العرب والأسبان الطبقة النافذة في القارة الأميركية الجنوبية، وليشكلوا جالية متكاثرة في أميركا الشمالية؟!
سؤال لم يدر بخلدي إلا حينما اطلعت على «الذهب والعاصفة: رحلة إلياس الموصلي إلى أميركا»، وهو كتاب يسجل فيه صاحبه وقائع لرحلة رائدة قام بها إلى أميركا الجنوبية والمكسيك فيما بين 1668 إلى 1683، ليكون أول عربي تطأ قدماه تلك الديار، وليسجل فيها وصفاً لتلك البلاد وتضاريسها وأحوالها المناخية ولحياة السكان الأصليين فيها من «الهنود الحمر» والمستعمرين الأوروبيين الأسبان، وأيضاً للأفارقة الذين كانوا يجلبون كعبيد للعمل في مزارعها.
إن وقائع تلك الرحلة سجل حافل لمرحلة استيطان المستعمرين وبنائهم للقرى والمدن الجديدة، ولحربهم مع سكان البلاد الأصليين من الهنود الحمر، ومقاومة هؤلاء بكل ما امتلكوا من وسائل للدخلاء عليهم، فضلاً عن عمليات التنصير التي كانت تجري على قدم وسائق لهؤلاء الذين ينعتهم المؤلف مراراً بـ «الكفرة»!!
وهو أيضاً يشير إلى «محاكم التفتيش» التي تواجدت في تلك الأصقاع، حيث كانت مهمتها ـ على ما يبدو ـ مراقبة عقائد المستعمرين والهنود الذين دخلوا في المسيحية على حد سواء!! والكتاب من منشورات دار السويدي في أبوظبي، التي لها قصب السبق في نشر مجموعة كبيرة من أدب الرحلات لتعريف قراء العربية بالجهد الذي قام به العرب في استكشاف مناطق المعمورة المختلفة وتسجيل ملاحظات عنها. وكانت تلك الرحلات في الأزمان السابقة مادة مسلية ومثقفة للجمهور، والوسيلة الوحيدة لمعرفة أحوال الشعوب الأخرى، قبل اختراع وسائل الاتصال الحديثة.
ولا يعرف الكثير عن حياة رحالتنا إلياس ابن القسيس حنا الموصلي الكلداني، سوى انتمائه إلى مدينة الموصل وقيامه برحلة جاب فيها أميركا الجنوبية، وما كان يعرف بالتركية في زمانه بـ «ينكي دينا» (أي العالم الجديد) وكان يقصد به المكسيك تحديداً. وتلك الرحلة التي استغرقت ستاً وعشرين سنة لا تعرف مراميها.
إذ لا يفصح صاحبها بذلك، بيد أن علاقته بالفاتيكان ومقابلته للبابا كلمنت التاسع، وحصوله على تصريح «عدم تعرض» من ملك اسبانيا كارلوس الثاني، تشي بأنه قد «ذهب في مهمة خاصة من المحتمل أنه قصد عدم الإشارة إليها»، كما يعتقد المستشرق الروسي كراتشكوفسكي الذي حقق نص الرحلة الأصلي.
وكانت أحوال الهنود الحمر سكان البلاد الأصليين موضع ملاحظات وتعليقات الرحالة الموصلي، الذي لا يخلو أسلوبه من لغة لا تستقيم مع زماننا وإن كانت في أيامه مقبولة، وهو بالمناسبة يكتب لغة أقرب ما تكون إلى العامية الموصلية والحلبية منها إلى اللغة العربية الفصحى!!
وربما تكون تلك الملاحظات من أطرف ما ورد في كتابه. فهو يشير إلى تعجب الهنود الحمر حينما رأوه هو ورفيق دربه الهندي والآخر من «المستيسو» (أي المولدين حيث تكون أمه هندية وأبوه أسباني)، «تعجب هؤلاء حينما رأونا ـ يكتب الموصلي ـ عند قريتهم الواقعة عند حافة جبال شديدة العلو ومكسوة بغابات كثيفة، فقالوا: كيف دخلت في هذه الدرب العسرة، إما أنك نبي أو قديس»؟!
ويسجل الموصلي رواية حول أول ما قدم الأسبان إلى تلك البلاد، حيث «كان الهنود يظنون أن المراكب هي حيتان البحر، وقلاع المراكب كانوا يظنونها أجنحة الحيتان، لأن إلى ذلك الحين ما كانوا رأوا مركباً. ولما كانوا ينظرون إلى الخيل وراكبيها كانوا يظنون أن الفرس وراكبها شقفة (قطعة) واحدة»!! ويصف لنا شدة بأس سكان البلاد الأصليين (وما نعرفه بمفاهيمنا الحديثة بمقاومتهم للمستعمرين الأسبان وغيرهم)، حيث يقول: «والهنود يأخذون الرجال والنساء والأطفال إلى أرضهم ويستعبدونهم، ولما يكون عندهم عيد أم عزيمة (وليمة) يذبحون واحداً من السبنيولية (الأسبان) ويشوونه ويأكلونه.
وهؤلاء الهنود كثير العدد، شديد القوة، وما يقدر السبنيولة أن يقاوموهم لأنهم ساكنون في جبال شامخة وعليهم أمير مدبر وهو الذي يحكم عليهم»!! لا تتوقف مقاومة سكان أميركا الأصليين عند المقاومة المسلحة، بل تتخطاها إلى المقاومة السلمية أو رفض المستعمر وثقافته وأبرز أشكال تلك الثقافة استخدام لغته، كما يلحظ الرحالة إلياس الموصلي.
حيث كان يكلم أحد الهنود الذي أخل بوعد له، فيقول: «كنت أكلمه باللسان السبنيولي وهو يجاوبني باللسان الهندي. فأمرت أن يشدوه بعمود البيت ويجلدوه، فمن أول ضربة السياط طلب أن يتركوه وتكلم بالسبنيولي. فسألته لماذا ما تكلم في السبنيولي إلى وقت ما ذقت السياط؟ فقال لي: نحن معشر الهنود لا نطاوع السبنيولية إن لم يضربوننا»!!
كاتب كويتي
