.. وكتب التاريخ تحديدا لا يمكن قراءتها إلا من أول صفحة، كما لا يمكن استخلاص دروسه بصورة انتقائية تأسيساً على حدث تاريخي واحد، مفصول عما قبله أو ما بعده من أحداث.
وقيام دولة ما باحتلال أخرى في حقبة معينة، ومهما طال أمد الاحتلال فليس ذلك نهاية التاريخ، كما أنه بالتأكيد ليس بدايته، وإنما هو صفحة واحدة من بين صفحاته يمثل تحدياً يستلزم الاستجابة له بخيارين، إما بالاستسلام وإما بالمقاومة.
ودائماً كانت إحدى دروس التاريخ هي أن الوحدة قاعدة المقاومة، وأن المقاومة الشعبية أقوى من جيوش الاحتلال، وكانت إحدى الحقائق الثابتة أن المستعمر لم يسلم بحقوق الشعوب أبدا دون مقاومة، وحينما تصبح كلفة الاحتلال أعلى من كلفة الانسحاب، وأن الهزائم ليست قدرا نهائيا بل هي مقدمة الانتصارات، فهزيمة 48 تلاها نصر أكتوبر 56، وهزيمة 67 تلاها نصر أكتوبر 73.
التاريخ يثبت ذلك لمن يريد القراءة، وإلا فأين الإمبراطوريات القديمة؟ والإمبراطوريات الاستعمارية الحديثة؟ البريطانية مثلا التي كانت لا تغيب عنها الشمس والتي غابت شمسها بعد «نصر أكتوبر» عام 56 في حرب السويس، أو الفرنسية التي أجبرتها ثورة المليون شهيد في الجزائر في نوفمبر عام 54 على طي أعلامها، والاضطرار للرحيل.
الأمم الحية كما يثبت التاريخ لا تستسلم للعدوان ولا تسلم بالهزيمة ولا تقبل بالاحتلال، وحينما واجهت الأمة العربية عدوان يونيو عام 1967 وما نتج عنه من احتلال إسرائيلي لأراض عربية، حاول البعض تكريس ثقافة الهزيمة وثقافة الاستسلام، متصوراً بالوهم أو بالمُنيَ أنها الصفحة الأخيرة في كتاب التاريخ..
وعندما انشغل البعض في جدال عقيم لا يغير الواقع المر، هل هي نكسة أم هزيمة؟ !.. هل بالأمر الواقع نسلم أم نقاوم لنغير الأمر الواقع؟.. كان هناك من الرجال من يستلهم إرادة الشعب المصري الرافضة للقبول بالانكسار، وإرادة الشعب العربي الداعية إلى المقاومة لتحقيق الانتصار.
كان هناك على قمة القيادة المصرية والسورية والفلسطينية من لا ينشغلون بالجدل الفارغ حول الخلافات الفرعية، وإنما كان شاغلهم الأساس هو المقاومة لتحرير الأرض، وإعادة بناء القوات المسلحة للرد على العدوان، فماذا يهم في الاسم والاحتلال هو الاحتلال والعدوان هو العدوان تحت كل الأسماء؟!
وجاءت معركة البحرية المصرية بإغراق المدمرة الإسرائيلية «إيلات» بعد أيام قليلة من العدوان، لتعلن للعدو والصديق أن الشعب المصري العربي قرر الاستجابة للتحدي وبدأ مقاومة العدوان.
وتلت ذلك معارك «رأس العش» في مصر، و«الكرامة» في الأردن، وعمليات المقاومة في فلسطين، ثم قرر عبد الناصر خوض حرب الاستنزاف التي أنزلت بالعدو الإسرائيلي من الخسائر ما فاق خسائره في حربي 67، ,56. لتؤكد للجميع أن قطعة من أرضنا قد تسقط تحت الاحتلال، لكن رقعة من إرادة المقاومة والتحرير لا يمكن أن تسقط.
لم تستسلم مصر ولا سوريا ولا فلسطين، ولم تغرق في ثقافة الهزيمة، وإنما استغرقت في ثقافة المقاومة للإعداد للمعركة الكبرى لتحرير الأرض، وعندما تسلم أنور السادات الراية من جمال عبد الناصر وبدا للكثيرين أن مصر لن تحارب، كان أنور السادات مع أخيه حافظ الأسد يخططان في صمت للمعركة التي حققت «نصر أكتوبر 73» المجيد وكتبت صفحة جديدة من التاريخ عنوانها ثقافة النصر.. وليس الهزيمة.