تهرول أوروبا إلى إسرائيل في تعاملاتها التقنية والاقتصادية والعسكرية والسياسية، بينما الطرف الآخر، هو من يستقبل ويفرز، ويقبل أو يرفض تبعاً لما يتناسب مع مصالحه وأهوائه..
دول الخليج ركضت كثيراً نحو الأوروبيين مراعية أن هناك قواسم مشتركة كثيرة تجمع الطرفين، وأن اقتصادياتها تتفوق كثيراً على إسرائيل، وباعتقاد أن الاقتصاد محايد بين دول ليست بينها حواجز وخلافات، لكن الذي يبدو، أن التقدم خطوة والتراجع عشر مع الأوروبيين بيَّن أن المسافة لا تزال تتباعد لأن الأوروبيين لا زالوا ينظرون لدول الخليج بالدول الرضيعة وغير المؤهلة لأن تلعب دورها كما يجب، ولا بد في ظرف كهذا انتزاع أكبر المكاسب في اتفاقيات توقع معهم، غير أن تعليق المباحثات يجب أن يدفعنا إلى مراعاة أن الأوروبيين ليسوا وحدهم من يقود الاقتصاد العالمي رغم قوتهم، لكننا نستطيع أن نكون أصحاب الأفضلية في حالة ما يشهده العالم من تساقط الأسواق والسياسات المالية، بأن الشرق ميدان مفتوح وقادم وليست لديه عقدة الغرب مع الشرق والتي لا تزال حالة أوروبية حذرة ودائمة التعامل بفوقية مطلقة..
ثم إذا كانت هذه الدول ليست مستجدية ولا مدينة، ولديها فوائض مالية كبيرة، وسوق لا تستغني عنه أوروبا، ونفط، وبتروكيماويات وغاز، هي عماد الصناعة العالمية بما فيها دول الاتحاد الأوروبي، فهل العائق سياسي أم اقتصادي أم حالة نفسية أوجدت الحاجز المعيق باعتبار أن الدول ذات الاقتصاديات الناشئة لا تقابل الدول الأكثر عراقة بنفس التساوي في المصالح؟
لدينا ثقة بأن تلك الحوارات يجب أن توقف، لأنه لا يمكن أن نقبل المعاملة غير اللائقة، وخاصة في قضايا ليست بالحساسية المؤثرة، إلا إذا كانت الأمور في مثل هذه الحالات يجب أن تمر بإسرائيل، بحيث تفتح الدول الخليجية أسواقها ونفطها وتجارتها وسفاراتها، وكل ما يتعلق بالعلاقات معها وبشكل مطلق وهذا تعوقه عوامل لا ترتبط بالعواطف وإنما بالمصير القومي، وخاصة القضية الفلسطينية، وهنا تأتي مثل هذه الذرائع، إلى جانب سلّة من الشروط بتحسين مستوى حقوق الإنسان والديموقراطية، والحكم المدني في حين لا تذهب إلى الحقائق الجوهرية أو السلوكيات الحقيقية التي اعتادت عليها أوروبا عندما تعاملت مع دول أكثر شراسة في حكمها ونفوذها الداخلي، لمجرد تبرير المعادلة مع قوة مضادة، كما جرى أثناء صراع الحلفين الأطلسي ووارسو، ومع ذلك فالدعوة إلى حوار مع أوروبا في الشأن الاقتصادي يجب أن لا تخضع للابتراز والإملاءات وقهر إرادة ومصالح الدول الخليجية وهي التي تتسع لها مجالات عديدة في مختلف القارات ولن تخسر اقتصادياً أو معنوياً إذا لم تتم مثل هذه الاتفاقية إذا كانت غير ملبية لمصالحنا..
