«لن تكون أوروبا أبدا كما كانت من قبل ،إذ سيكون هناك ما قبل ساركوزي وما بعده»،هكذا قال جان بيير جوي سكرتير الدولة الفرنسي للشؤون الأوروبية قبل أن يترك الحكومة منذ فترة قريبة. وهذا ما يتردد هذه الأيام بأشكال مختلفة على لسان مسؤولين في الدوائر العليا للدولة الفرنسية.

الجميع اتفقوا على القول، بمناسبة انتهاء فترة الرئاسة الفرنسية للاتحاد الأوروبي التي ابدأت منذ مطلع شهر يوليو الماضي وحتى نهاية الشهر الحالي بعد أيام ، أن الأشهر الستة «كشفت» عن أن نيكولا ساركوزي «رجل دولة من الطراز الأول». والرئيس الفرنسي نفسه لا يخفي سروره أنه استطاع تحريك «القنفذ البيروقراطي» ،كما وصف أوروبا ذات يوم المستشار الألماني الأسبق هلموت كول.

لم يكن معروفا عن الرئيس الفرنسي ساركوزي هواه الأوروبي المشبوب قبل وصوله إلى السلطة في فرنسا. ولكنه لم يتردد بدخول الحلبة من موقعه كـ «رئيس لأوروبا».وبهذه الصفة تحرّك بكل الاتجاهات وعقد سلسلة لا تنتهي من الاجتماعات واضعا بنفس الوقت المفوضية الأوروبية و«رأسها» خوسية مانويل باريزو على خط التماس .لقد بدت أعلى مؤسسة أوروبية وكأنها مجرّد «سكرتاريا» للمجلس الأوروبي الذي يضم رؤساء دول الاتحاد الأوروبي ال27.

وكانت أوساط قصر الإليزيه قد أشارت بوضوح في بداية الفترة الرئاسية الأوروبية أن الرئيس ساركوزي سوف يحاول «سبر إمكانيات أخرى» وأن المفوّض الأوروبي سوف يشارك فيها كلها «من موقعه» . إن ترجمة تعبير «من موقعه» هذا تصب في القول أن دور المفوضية هو بالتحديد السهر على تطبيق بنود الاتفاقيات الأوروبية وتنفيذ قرارات المجلس الأوروبي ،لا أكثر ولا أقل. وليس اتخاذ مبادرات.

نقاط العلاّم الأساسية في فترة الرئاسة الفرنسية للاتحاد الأوروبي تمثّلت في إطلاق الاتحاد من أجل المتوسط رسميا يوم 12 يوليو ـ تموز 2008 باحتفال «طناّن رنّان» في باريس حيثنجح الرئيس ساركوزي فيه بجمع رؤساء دول حوض المتوسط تحت سقف واحد ، باستثناء ليبيا .

ويُذكر للرئيس ساركوزي أنه «بادر» و»خاطر« للوصول إلى اتفاق لوقف إطلاق النار بين روسيا وجورجيا في شهر أغسطس ـ آب الماضي باسم الاتحاد الأوروبي ودون أي تفويض مسبق من أحد. ويضاف إلى رصيده السياسي اتخاذ موقف أوروبي موحّد حيال الأزمة المالية العالمية التي انطلقت من الولايات المتحدة الأميركية .ويسجّل له أيضا تحرّكه للنضال ضد التغيير المناخي؛ وحصوله على موافقة الحكومة الايرلندية إعادة الاستفتاء الشعبي على الاتفاقية الأوروبية المبسّطة بعد أن رفضها الايرلنديون في استفتاء أوّل يوم 12 يونيو الماضي.

قد يكون من الهام القول هنا أن تحرّك الرئيس الفرنسي الأوروبي يأتي علي خلفية رؤيته لأوروبا ومستقبلها في محيطها الجيوسياسي . وهي رؤية تتناظر عموما مع القول بوجود ثلاث «دوائر» ينبغي أخذها بعين الاعتبار . دائرة منطقة اليورو أولا ،أو «النواة الصلبة» للاتحاد الأوروبي. ودائرة الاتحاد الأوروبي نفسه ثانيا بدوله الـ 27. وأخيرا الدائرة التي تشمل «المجال الاقتصادي والأمني» الأوروبي.

هذه الدائرة الأخيرة الأوسع تشمل روسيا وتركيا وأوكرانيا بالإضافة إلى الاتحاد الأوروبي بالطبع. بكل الحالات يرى المؤيدون للرئيس ساركوزي أنه أثبت حيال هذه الملفات كلّها كفاءة «رجل دولة حقيقي». لكن ،ورغم «تحريكه» حقيقة لهذه الملفات كلّها وغيرها ، قد ينبغي طرح بعض التساؤلات عبر قياس النتائج المحققة على ضوء الأهداف المعلنة.

ـ قد يمكن القول أن أوروبا لن تكون كما كانت عليه قبلا. لكن هل يعود هذا إلى ما فعله الرئيس ساركوزي أم إلى أن العالم نفسه قد شهد عددا من المتغيرات الجوهرية وليس أقلها الأزمة المالي العالمية وعودة روسيا إلى ساحة الفعل الدولية وانتخاب باراك اوباما رئيسا للولايات المتحدة الأميركية ؟.

ـ هل جلبت النسخة الجديدة للاتحاد من أجل المتوسط شيئا جديدا عمّا تضمّنه الإطار العام لما عّرف بمسيرة برشلونة عام 1995؟.

ـ هل ما حققه الرئيس ساركوزي في الوصول إلى اتفاق لوقف إطلاق النار على الجبهة الروسية ـ الجيورجية هو فوز أوروبي أم انتصار فعلي لوجهة النظر الروسية،كما يقول محللون أوروبيون كُثر، عبر الإقرار لروسيا ب«حماية الروس» أينما تواجدوا والاعتراف «ضمنيا» باستقلال أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية ؟.

ـ هل الوصول إلى موافقة الحكومة الايرلندية على إعادة الاستفتاء هو انتصار حقيقي للمؤسسات الأوروبية ومخرج من المأزق الدستوري ضد ال«لا» الايرلندية المعطّلة بسبب غياب الإجماع المطلوب أم أن التنازلات التي تمّت الموافقة عليها مقابل القبول الايرلندي تغيّر من طبيعة الاتفاقية المبسّطة نفسها؟.

ـ جرى الحديث تاريخيا في أوروبا عما سّمي بالمحرّك الفرنسي ـ الألماني باعتباره العامل الأساسي في مسيرة التوحيد الأوروبية . هذا المحرّك هل لا يزال يعمل بكامل طاقته أم أن الصدأ قد أصابه، كما تدل مؤشرات عديدة؟.

ـ وسؤال آخر كاستطراد في نفس المشرب ؟هل عاد الثنائي الفرنسي ـ البريطاني لترميم أواصر «زواج عقلاني» على حساب ألمانيا التي غدت ،كما يبدو، في موقع « الزوجة العتيقة» ؟.للإشارة فقط لم تتم دعوة السيدة انجيلا ميركل إلى «القمة الشاملة» ،كما أسماها البريطانيون ، التي جمعت الرئيس الفرنسي ورئيس وزراء بريطاني في لندن يوم الاثنين 12 ديسمبر ـ كانون الأول الماضي.

كانت السيدة ميركل قبل فترة ليست بالبعيدة في جبهة تقريبا مع ساركوزي «ضد» غوردون براون.مهما يكن من أمر هناك رأي سائد يقول أن نجاح أوروبا مرهون إلى حد كبير بتعاون باريس وبرلين . وكان بول كروغمان ،الفائز بجائزة نوبل للاقتصاد هذه السنة 2008، قد اعتبر أن الموقف الألماني «المتراجع» حيال المسيرة الأوروبية الموحّدة يشكل أحد أكبر نقاط ضعف الاتحاد الأوروبي.

ـ كيف يمكن تقييم نجاح الحصاد الفرنسي لرئاسة الاتحاد الأوروبي على أساس هدفين كانت قد وضعتهما هي نفسها في مقدمة أولوياتها ويتعلقان بإصلاح المؤسسات الأوروبية وتبنّي سياسة دفاعية أوروبية ؟.

ـ وسؤال يجمع كل الأسئلة السابقة :أي تقدّم حققته أوروبا واقعيا في مسيرتها التوحيدية الباهرة في ظل الرئاسة الفرنسية؟.بكل الحالات، لعلّ الوقت لا يزال مبّكرا لتقديم إجابات دقيقة.

كاتب سوري ـ باريس

mohaklouf@yahoo.fr