رغم الضعف الهائل الذي أصاب مشروع القومية العربية، ورغم المحاولات المضنية من قبل بعض النظم لمحاربة هذا المشروع الأيديولوجي، فإنه من الملاحظ أن هذه النظم لم تقدم بديلا لهذا المشروع يمكن أن يندرج تحته العرب ضمن منظومة شاملة تساعد على مواجهة القضايا العربية المختلفة.

لقد تمت محاربة القومية العربية بشراسة وإصرار، ولم تحاول النظم التي حاربتها الاستفادة من الجوانب الإيجابية الناجمة عن تبني تلك الأيديولوجية، وعلى رأسها وجود مظلة عامة تجمع العرب نحو قضاياهم الرئيسة والحيوية في المنطقة. وفي الوقت الذي تم فيه الترويج لنبذ العروبة لم يتم طرح أطر أيديولوجية جديدة أخرى تتسم بالعمق والشمول للدول العربية المختلفة.

وحتى التوجهات الإسلامية التي روج لها البعض لم تتسم بالقدر الكافي من الشمول والعمق نظرا لحالة التشظي التي أصابتها، وحالة التسييس الهائلة التي اكتنفتها. فقد اصطبغت الأيديولوجيات الإسلامية المختلفة بالتأثيرات الثقافية لمنتجيها، حيث تم فرض الثقافي الخاص بوصفه إسلامي عام، وهو ما لم يوفر أرضية عامة مشتركة يمكن أن تنتج مشروعا أيديولوجيا واضح المعالم والقسمات.

لقد تمت محاربة القومية العربية بسبب من طابعها الشعبي الذي أتاح ذلك القدر من المشاعر العريضة تجاه القضايا العربية، وعلى رأسها الصراع العربي الإسرائيلي والموقف من التبعية للاستعمار. وهي قضايا أسهمت بدرجة أو بأخرى في خلق شعور عربي عام سبب صداعا هائلا ومخيفا لبعض النظم في المنطقة.

وهذا التوجه الشعبي تم خنقه والالتفاف عليه من خلال تغيير جوهر المشروعات الأيديولوجية في العالم العربي منذ سبعينيات القرن الماضي وحتى الآن. وهو الأمر الذي يستدعي الوقوف عند سمات هذه المشاريع وطبيعة التوجهات المشكلة لها. من أهم ملامح المشاريع الأيديولوجية الجديدة في المنطقة أنها جردت المشاريع السابقة، وعلى رأسها القومية العربية، من طابعها الشعبي العربي الشامل، وخلقت طابعا نخبويا لمشاريعها وتوجهاتها الأيديولوجية الجديدة.

فقد كان من الضروري ألا يتم السماح مرة أخرى بعودة تلك التوجهات التي تنتقل عدواها بسهولة من بلد عربي لآخر، وتساهم في خلق مناخ معاد لتوجهات بعض النظم. وهو الأمر الذي نجح في خلق حالة من القطرية البغيضة التي أودت بذلك الشعور الشعبي العربي، وأضعفت من قوته إلى درجة كبيرة. ولقد أتاحت هذه النخبوية الجديدة ظهور مشاريع أيديولوجية جديدة تتسم بالنخبوية المفرطة وبالانقطاع التام عن السياق الشعبي الجماهيري العربي مثل الليبرالية الجديدة.

ومن اللافت للنظر أن هذه النخبوية قد سمحت بظهور العديد من الأيديولوجيات التي قد تبدو على السطح متعارضة لكنها في جملة ممارساتها تبدو متوافقة من أجل خدمة نظم سياسية بعينها. فكما اتسمت التوجهات الأيديولوجية الجديدة بالنخبوية فإنها قد اتسمت بالتعددية والتشظي، فلم يعد من الممكن والمسموح به وجود أيديولوجية واحدة مهيمنة تقود الواقع العربي وتفرض ذاتها على جملة الشارع العربي.

لذلك فإن النظم العربية تسمح بوجود المشاريع الأيديولوجية المتعارضة في الوقت نفسه، بل إنها تساهم بدرجة أو بأخرى في إحداث توازن ما بين هذه المشاريع بحيث لا يطغي إحداها على الآخر، وتظل خيوط تلك المشاريع في أيديها.

وفي هذا السياق لم تعد هناك قضايا مركزية تهم هذه المشاريع الأيديولوجية إلا بالقدر الذي تحدده وتفرضه هذه النظم. فمن اللافت للنظر أن يحوز الواقع اللبناني على اهتمام غير مسبوق قياسا للصراع العربي الإسرائيلي، وأن يتم التجاهل التام لما يحدث في غزة والصومال وموريتانيا.

وفي إطار متصل تنهج تلك المشاريع الأيديولوجية درجة عالية من التشويش بحيث تضيع القضايا الجوهرية الرئيسة، ولا يستطيع المواطن العربي التمييز بين المهم وبين الأكثر أهمية. ويرتبط هذا التشويش بادعاء مستويات عالية من الكياسة والحكمة والحرص على المصالح العربية العليا، وهو الأمر الذي تجلى بشكل واضح من خلال المواقف المتخذة ضد حزب الله وحماس وسوريا.

ولأن كل المشاريع النخبوية تتأسس في ضوء العلاقة بين السيد والتابع، فإن المشاريع الأيديولوجية العربية الراهنة وجدت بغيتها من خلال واقع الإعلام العربي حيث التلاقي بين رأس المال السيد وبين الكوادر التابعة المنفذة لتلك المشروعات. ومن الغريب في الأمر أن تلتقي أطر تقليدية جدا مع كوادر ارتبطت بسياقات تنويرية لتحقيق مشاريع التفكيك العربية الجديدة بأعلى درجة من الحرفية والمهارة.

وما كان يُنتظر من بعض الكوادر المرتبطة بعواصم التنوير العربية السابقة من أجل تحقيق إعلام نافذ ومسئول تحول إلى تنفيذ مشاريع أيديولوجية مخيفة ومدمرة مع سبق الإصرار والترصد. والغريب في الأمر أن هذه المشاريع تتم من خلال خلطة غريبة بين الغربي المبتذل وبين العربي التقليدي ضمن أطر جديدة من الصلف والاستعلاء.

ويساعد الإعلام العربي الممول هنا على الترويج الظاهر والباطن لتلك المشاريع الأيديولوجية الجديدة التي تهدف في النهاية للسيطرة على المشاهد العربي وإعادة تشكيله من خلال منهجية إعلامية منظمة ومتواصلة تهدف لتفتيت الواقع والقضايا العربية المرتبطة به.

والغريب في الأمر هنا أن تلك المشاريع الأيديولوجية لم تحقق شيئا حتى الآن، كما لم تساعد في حل قضية عربية واحدة، ولم تساهم بدرجة أو بأخرى في تحقيق التنمية المنشودة. وهو الأمر الذي يثير طبيعة العلاقات التي تربط بين هذه المشاريع الأيديولوجية في المنطقة وبين القوى المتنفذة عالميا وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركية، وما يثار هذه الأيام حول تصفية القضية الفلسطينية، وإعادة ترتيب المنطقة مرة واحدة وإلى الأبد.

كاتب مصري

salehabdelazim@hotmail.com