لم تكن مشكلة تعميق صلات روسيا مع العالم العربي في يوم من الأيام تكمن في رؤية موسكو. فقد كانت روسيا ولا تزال تدعم الحق العربي والقضايا العربية وتؤيد سياسات الدول العربية، ومنذ مؤتمر مدريد حتى يومنا هذا كانت موسكو تدافع عن مطالب العرب.
بدءاً من حقوق الشعب الفلسطيني المشروعة في العودة وتقرير المصير وبناء الدولة المستقلة، مرورا بحماية سيادة لبنان ووحدة أراضيه ومنع التدخلات الخارجية في شؤونه، بل وضرورة عقد المحكمة الدولية الخاصة بملف اغتيال رئيس الحكومة الراحل رفيق الحريري شريطة أن لا يتم استخدامها سياسيا، وانتهاء بضرورة إيجاد منظومة إقليمية تضمن أمن الخليج وتجنبه أخطار الحروب، وإحلال الاستقرار في العراق، ولم يحدث أبدا أن وقفت روسيا في صف دولة عربية ضد دولة عربية أخرى أيا كانت درجة علاقاتها معها، كما لم يحدث أبدا أن تدخلت موسكو في الشئون الداخلية لأية دولة عربية ولا حتى في العهد السوفييتي، بل كانت دائما تحترم سيادة الدول ووحدة أراضيها واستقرارها.
وبالرغم من أن روسيا تدعم الحقوق العربية وتخوض صراعات في المحافل الدولية لتوحيد الجهود بهدف إحلال السلام العادل، والذي يحترم حقوق الشعوب في المنطقة، إلا أن الطرف الآخر في هذه العلاقات، وهو العرب، مازال مترددا، ومازال حريصا على عدم إثارة الغضب الأميركي. لقد شهدت العاصمة الروسية خلال الشهور التي تلت الحرب الجورجية زيارات عربية مهمة بدءاً من زيارة الرئيس السوري بشار الأسد ومرورا بزيارة الأمير بندر بن سلطان الأمين العام لمجلس الأمن القومي السعودي، ووزير الدفاع اللبناني إلياس المر، الذي حصل على منحة عسكرية من 10 مقاتلات ميج 29 تصل قيمتها إلى 300 مليون دولار، وأخيراً زيارة الرئيس الفلسطيني محمود عباس.
وكانت تصريحات القادة العرب في هذه الزيارات تعبر عن امتنان وتأكيد أهمية الدور الروسي وضرورة تفعيله وما إلى ذلك. إلا أن واقع الأمور يكشف عن توجه آخر،لأن أغلبية الدول العربية التي ترحب وتؤكد على أهمية الدور الروسي في المنطقة، لم تتخذ أي خطوات عملية في إطار فرض الشريك الروسي الداعم لسياساتها في التسوية الشرق أوسطية، ولم تسع لكسر الاحتكار الأميركي لقضايا المنطقة، بالرغم من الفشل المتكرر الذي تواجهه السياسات الأميركية في الشرق الأوسط.
فمنذ محادثات كامب ديفيد التي نظمها الرئيس الأسبق بيل كلينتون ومشروع الشرق الأوسط الكبير، وأخيراً اجتماع أنابوليس فشلت واشنطن في تحقيق أي تقدم في مسيرة العملية السلمية،إن لم نقل بأن السياسات الأميركية زادت من تعقيد الوضع،خاصة عقب احتلال العراق. ويطرح في موسكو تساؤل حول جدوى تقديم روسيا مساعدات عسكرية إلى لبنان، وحول دعم شرعية محمود عباس كرئيس للسلطة الفلسطينية. بل إن هذا التساؤل لا يطرح فقط من زاوية المصالح الروسية، وإنما من زاوية الأطراف العربية، لأن السلطة الفلسطينية تتوجه أنظارها نحو واشنطن بشكل أساسي، ولا تسعى لتوسيع الدور الروسي في مسار التسوية.
أما على الصعيد الاقتصادي فتبدو الأمور أكثر تعقيداً لأن التعاون العربي- الروسي في المجال الاقتصادي ? التجاري مازال محدودا، حيث لا يزيد عن ربع حجم التعاون الروسي- الأوكراني بالرغم من الخلافات الحادة بين حكومتي البلدين. ويعتبر الوضع بالنسبة لروسيا سلبيا، ليس فقط لأن موازين القوى الحالية لا تمكنها من أن تلعب دورا مؤثرا في الشرق الأوسط، وإنما أيضاً لأن مساعيها لتنفيذ مشروعها ببناء عالم متعدد الأقطاب يتعثر، ما يجعل سياسة الدبلوماسية الروسية غير واضحة المعالم وأحياناً مترددة.
إن بناء عالم متعدد الأقطاب سيفرض بالضرورة مواجهات دولية،لأن أطراف الصراع لن تتخلى عن نفوذها ما لم تجبر على ذلك، ولابد لأطراف المجتمع الدولي أن ترسم استراتيجية واضحة لمصالحها،لأن خوض هذه المواجهة يتطلب إدراكاً واعياً لأولويات مصالحها.
كاتبة روسية