الوزيرة كوندوليزا رايس، مصرّة على تنزيه سياسات إدارة الرئيس بوش، في الشرق الأوسط؛ وبكافة الوسائل. في مقابلاتها الصحافية المتوالية، عشية المغادرة، تلجأ إلى مختلف الفذلكات والقوالب والزوايا؛ لتبرئة الذمة وتلميع النتائج، تارة من خلال تقديم هذه الأخيرة واقفة على رأسها، وتارة أخرى من خلال ليّ عنق الحقيقة الساطعة، أو عن طريق الزعم بأن المشكلة تكمن في الآخرين، الذين عجزوا عن تقدير التوازن والحياد، في تلك السياسات.

فرئيسة الدبلوماسية الأميركية تقرّ، في لقاء مع وكالة فرانس برس، بأن شعبية الإدارة، في العالم العربي «ليست ممتازة». السبب في رأيها، أن «المرء أحياناً لا يحظى بالشعبية عندما يدافع بقوة عن حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها ويدافع في الوقت نفسه بقوة عن حق الفلسطينيين في العيش في دولة خاصة بهم».

أن تعترف بفقر رصيد رئيسها وإدارته، فهذا صحيح. لكن أن تعزي ذلك إلى شح في بصر وبصيرة المنطقة، لأنها لم تدرك هذا الدفاع المتوازي المزعوم؛ فإن في ذلك تبسيط ينمّ إما عن إفلاس وإما عن عدم فهم للذين بخلوا عليها بالشعبية.

ربما فاتها أن تخصّهم بالشجب، لأنهم تنكروا للمعروف والجميل، وكأن الناس غير قادرين على التمييز، بين درجة وتعبيرات القوة التي خصّت بها واشنطن، حليفتها إسرائيل؛ وبين الكلام اللفظي والخاوي، الذي تسميه «قوة»؛ والذي كان حصة الفلسطينيين، فقط لا غير، من الإدارة، أو كأن الناس لا تقوى على التفريق بين حقيقة أن واشنطن كانت تدافع عن «حق» إسرائيل في الدفاع عن احتلالها؛ وليس عن نفسها، فيما بقي دفاعها المزعوم عن حق الفلسطينيين بدولة؛ حبراً على ورق.

والأنكى من ذلك، أن الوزيرة التي تودع المنصب الباقية فيه أقل من شهر، تحاول بيع مقولة تفيد بأنه لم يتم التوصل إلى إقامة الدولة الموعودة. من دون الإشارة ولو بالتلميح، إلى الأسباب والعوائق. محاولة لتمييع المسؤولية. وربما لتحميل الجانب الفلسطيني، ضمناً، جزءاً من المسؤولية. وطبعاً للإيحاء بأن الإدارة ما كان لها لا حول ولا قوة. وكأنها تعجز عن حمل إسرائيل على التزحزح.

كل ذلك مع الإصرار، الذي سبق وتكرر على لسانها كما على لسان الرئيس بوش في مقابلات سابقة، بأن «الوضع في الشرق الأوسط تحسّن كثيراً وقطعنا معه طريقاً طويلاً»، بالتأكيد طويل. وبالتأكيد ليس نحو الأفضل. العملة التي دأبت الوزيرة، مؤخراً، على ترويجها؛ لا تصرف في أي سوق أو مصرف. أن يتكرم المسؤولون في واشنطن، عشية الرحيل، ويغدقوا في الاعترافات بالواقع؛ لا يغير في الأمر شيئاً. بالعكس، ربما كان ذلك فيه نوع من الإدانة؛ لأنهم هم من تسبب وصنع، ما يتواضعون الآن ويقرّون به.