يعتبر الأسبوع المنصرم دون منازع أسبوع الحذاء في الوطن العربي، فقد احتفت به بعض الأوساط الرسمية العربيةِ، كما احتفى به عدد ليس بقليل من الكتاب والصحافيين والمثقفين العرب. وقد شمل هذا الاحتفال عددا من الوزراء والشعراء وأساتذة الجامعات.كما مثل هذا الاهتمام جزءا من نشاط فضائياتنا العربية التي بفعل ذلك قد نزلت من الفضاء إلى موطئ القدم.
و لم يختلف هذا الكم المختلف في حقيقة أن فردتي حذاء الصحافي العراقي منتظر الزيدي التي رمى بهما الرئيس الأميركي جورج بوش الابن في مؤتمره الصحافي قد أعادا للعرب كرامتهم التي مرغها كما يقال بوش الابن. لقد أخرجت فردتا حذاء الزيدي، العرب عن صمتهم وأشعلت قريحتهم: فالبعض قد تظاهر في عمان وبيروت ودمشق والقاهرة وبغداد رافعين أحذيتهم كشعار للمرحلة وآخرين تسابقوا بقصائد عشق ومدح في الحذاء ومرتديه وراميه.
ورغم أن الحادث قد جاءت على ذكره الصحافة الغربية والأميركية إلا أنها لم تر فيه أمرا خارقا بل حادثا عابرا قد تم تجاوزه في حينه. أما نحن فقد بتنا مشغولين به مدمنين عليه، وأخال أن هذا الانشغال قد يدفع بعض الأنظمة العربية لاستصدار قرار منع ارتداء الأحذية في المؤتمرات الصحافية وقد يمتد هذا الأمر مثلا نحو منع ارتداء الحذاء في المناسبات العربية الرسمية.
لقد بدا لي مشهد الاحتفاء بالحذاء والأحذية سرياليا مستعصي بعض الشيء على الفهم ، فنحن أمام أمة تحتفي بحذائها، بل باتت متيمة به مهيمة فيه. كيف لا وكلنا يعرف أن للحذاء رمزيته الأسطورية في التاريخ العربي، فمن منا لم يقرأ أو يسمع عن أسطورة حذاء أبو القاسم الطنبوري، الذي لم يكن الحذاء نعمة له بل نقمة عليه.
و يحتل الحذاء منطقة دونية، و«يدوس» به مُنتَعِله ما «يدوس» في غدواته ورواحه، وهو مع ذلك يمثل القاعدة التي تصون قدم الإنسان. وفي الثقافة العربية المعاصرة، فإن نوعية الحذاء وجودته تعبر عن المستوى الطبقي ولربما الفكري لصاحبه، فهي تعكس حرص هذا الفرد في العناية بقدميه، وهي في هذا تعكس بعضا من الجوانب الشخصية غير المرئية في حياة الفرد.
فنظافة الحذاء ولمعانه والاهتمام به يوميا تعكس في بعضها جوانب من السمات الشخصية المتعلقة بالنظافة والانضباط وغيرها. ويتفقد الضباط في الجيش والشرطة أحذية جنودهم ومدى الالتزام بنظافتها ولمعانها. وفي المدارس يُحَرِصْ المشرفون التربويون الطلبة على نظافة ولمعان أحذيتهم، فهي في هذا تعكس درجة من الانضباط والتقيُد.
و يهتم الشرقيون بالقدم، حيث الاعتقاد بأن الكثير من الأمراض تأتي إليهم من خلالها، وهم في هذا قد وصفوا أصنافا من العلاج للكثير من الأمراض تبدأ بالقدم. وينصحك أطباء القدم على ارتداء أحذية طبية تريح القدم وبالتالي تريح لابسه. ويُحَرِصْ الكثير من أولياء الأمور أبنائهم على ارتداء النعل أو الحذاء عند الخروج من المنزل.
و تزخر بالمقابل الثقافة العربية بكم مهين فيما يتصل بالحذاء وهو في هذا يحمل أسماء متعددة في المنطقة العربية. حيث يطلق عليه الخليجيون أسم «الجوتي» وأعتقد أنها مأخوذة عن احدى اللغات الهندية. ويسميه أهل العراق والشام «بالقندرة» وصانع الأحذية يسمى «بالقندرجي» أما في مصر فيسمى «بالجزمة». ويحتل الحذاء مكانة دنيا في ثقافة المتنابزين.
وتتعدد الشتائم في هذا وفق المنطقة العربية وتنحدر بانحدار العالم السفلي من الثقافة العربية: ولربما أسهل الشتائم الموظفة للحذاء هي تلك التي تشبه وجه المشتوم به «كالقول مثلا «يا وجه القندرة» أو القول «يالقندره». وضرب الخصم بالنعال أو الحذاء تحمل معنى تحقير الخصم وذلك بضربه بأوطأ شيء يلبسه الإنسان ولربما أوسخه. وهي أداة ضرب يستخدمها في الغالب القوي لتحقير الضعيف.
ويبدو لي أن حادث رمي الحذاء على بوش الابن في العراق قد تحدث تغيرا مهما في مكانة الحذاء في المنطقة العربية، كما هي أحدثت تغيرا مهما في موقع راميه عن العرب. فالحادث إياه قد حول هذا الصحافي المجهول إلى بطل قومي تداعى للدفاع عنه جل المحامين العرب.
وجابت شوارعنا مظاهرات كثيرة محتفية بحذائه ومشيدة ببطولة أمام رئيس أكبر وأقوى دول العالم وأكثرها تهورا. ولو قدر لهذا الحادث أن يكون في عهد النظام السابق لما قدر لنا أن نسمع عن فاعله أو أن يتظاهر العراقيون تأييدا له أو أن يقدم للمحاكمة.
وتبقى الحقيقة التي قد لا نقبل بها وهي أنني قد لا أختلف في أمر أن الولايات المتحدة الأميركية باتت تمثل أكثر دول العالم كرها في المنطقة العربية، وأنها في سياساتها نحو المنطقة قد اتسمت بالصلافة والغرور ولربما بنفس إمبريالي واستعماري بشع.
إلا أن الحقيقة الأخرى التي لا يبدو أننا قادرون على إدراكها وهي أننا لا نستطيع ولن نستطيع أن نقارع هذا الدولة العملاقة رغم كبر مشاكلها ومشكلاتها إلا بامتلاكنا لأسباب القوة التي يأتي في أولها تحديث وتجديد نظامنا التعليمي وليس آخرها تحديث وتطوير سياقاتنا السياسة التي يأتي مطلب تحديث الدولة وآليات عملها خطوة في الطريق، كما ويأتي ضمن ذلك ولربما قبله القدرة على تحديث الأنساق القيمية والثقافية الحاكمة لسلوكنا كأفراد وجماعات ومؤسسات نحو الذات والآخر.
وأن نحسم علاقتنا بالماضي، ليس في إطار القطيعة التامة وانما في اطار الانفصال الذي يولد طاقات جديدة للانطلاق نحو المستقبل، هذا المستقبل الذي لن يدخل فيه إلا من امتلك أسباب القوة الجديدة التي لا تأتي مِنْ رفع الحذاء أعلى من موقعه الواطئ في الأرض، وإنما بوعي جديد يكون العقل ومنطقه بوصلتنا نحو الأعلى.
