رغم أن مراسلي الإعلام الأميركي في شيكاغو ركزوا طوال الأسبوع الماضي على قصة حاكم الولاية الذي اتهم بالسعي لبيع مقعد مجلس الشيوخ الذي شغر بتولي أوباما الرئاسة، فإن مدينة شيكاغو كانت في الفترة الزمنية نفسها تشهد حدثا آخر بالغ الأهمية من وجهة نظري من حيث دلالاته وتأثيره على وجهة أميركا في المستقبل المنظور.

ففي الأسبوع الأول من الشهر الجاري، قام عمال أحد المصانع في المدينة باحتلال مقر المصنع والاعتصام فيه احتجاجا على قرار إغلاقه. كان العمال قد فوجئوا بالشركة التي عمل بعضهم فيها لأكثر من عشرين عاما تخطرهم بأن قرارا صدر بإغلاق المصنع نهائيا وتسريح كل العاملين فيه بعد أيام ثلاثة فقط من تاريخ الإخطار، وذلك بالمخالفة للقانون الأميركي الذي يشترط على صاحب العمل أن يخطر العاملين بالاستغناء عنهم قبل تسريحهم بشهرين.

وقد تبين أن السبب يرجع إلى أن بنك أميركا Bank of America كان قد أغلق خط الائتمان الخاص بالشركة الأمر الذي كانت نتيجته الفورية عجز الشركة عن الوفاء بالتزاماتها بما فيها تلك التي تتحملها تجاه العاملين فيها فما كان منها إلا أن أعلنت إغلاق أبوابها وألغت فورا التأمين الصحي للعاملين فيها وقررت تسريح أولئك العاملين الذين امتنعت عن صرف مستحقاتهم لديها.

الجدير بالذكر أن بنك أميركا كان قد حصل على 25 مليار دولار في إطار خطة الإنقاذ الحكومية التي تكلفت 700 مليار وذلك بهدف أساسي هو دعم البنك حتى يستعيد قدرته على الإقراض وإدارة عمليات الائتمان!

لكن عمال المصنع رفضوا الإذعان واعتبار أن ضياع حقوقهم هو نتيجة لا مفر منها لتدهور الأوضاع الاقتصادية، خصوصا أن بنك أميركا الذي كان قراره مسؤولا عما حدث هو أحد البنوك التي تم إنقاذها من خلال أموال دافع الضرائب. وعلى عكس عمال آخرين راحوا ضحية لأصولية رأسمالية متوحشة، نظم هؤلاء العمال من خلال اتحاد العمال التابعين له اعتصاما في مقر المصنع وأعلنوا أنهم لن يتركوه إلا بعد استعادة حقوقهم وطالبوا بنك أميركا والشركة بالعمل على إيجاد حل للمشكلة.

وفى غضون ساعات، كان أبناء المدينة قد احتضنوا الاعتصام، فانهالت على المعتصمين الأموال والأطعمة والأغطية فضلا عن الدعم الأدبي، بينما نظم البعض مظاهرة احتجاجية حاصرت فرع بنك أميركا في المدينة في الوقت الذي قامت فيه مجموعة من المنظمات بعقد مؤتمر موسع في المدينة هددت فيه بمقاطعة البنك إذا لم يتم وضع حد لتلك المأساة.

وقد مثل كل ذلك ضغطا سياسيا هائلا على السياسيين. فرغم أن احتلال العمال لمقر المصنع والاعتصام فيه مخالف للقانون الأميركي إلا أن السياسيين المنتخبين في المدينة دعموا العمال وهددوا بالعمل على منع الهيئات الحكومية في الولاية من التعامل مع بنك أميركا. أما البوليس فلم يستدعه أحد لفض الاعتصام «المخالف للقانون» كما كان يحدث من قبل.

غير أن الأهم من هذا كله هو موقف أوباما الذي تحدث بلغة لا لبس في تأييدها لأولئك العمال ومطالبهم. وهو موقف جريء بالذات في المرحلة الانتقالية لم يتخذه في الواقع حتى الرئيس روزفلت الذي واجه موقفا مشابها فكان أكثر حذرا.

وفى أقل من أسبوع كان الاعتصام قد حقق أهدافه، حيث اضطر بنك أميركا لأن يقدم قرضا للشركة قدره 35. 1 مليون دولار فأعلنت الأخيرة عن الوفاء بالتزاماتها إزاء العاملين بها قبل تسريحهم. والقصة كما هو واضح تحمل في طياتها دلالات بالغة الأهمية. ولكن لعل العنوان الأهم لها هو أن هناك تحولا حقيقيا يحدث في أميركا إذ يبدو أنها قد صارت تنحو يسارا لأول مرة منذ الستينات!

فالسياسات الكارثية التي اتبعها اليمين بسيطرته أولا على الكونجرس في التسعينات ثم الكونجرس والرئاسة في العقد الحالي قد أدت على ما يبدو لرد فعل عكسي تجلى فيما ما يمكن اعتباره تحولا طرأ على الوسط السياسي نفسه.

فما كان يعتبر «يسارا» منذ سنوات صار في الوسط السياسي الآن. أي أن المواقف والأولويات التي كان ينادي بها اليسار الأميركي طوال العقد المنصرم قد صارت اليوم تمثل الوسط السياسي. فعلى سبيل المثال لم يعد اليسار وحده الذي يدعو لإعادة الاعتبار لدور الدولة في تنظيم الاقتصاد. وصار هناك اتفاق عام على أن سياسة تخفيف القواعد الحكومية طوال العقدين الأخيرين والتي شارك فيها اليمين الديمقراطي بالمناسبة هي المسؤولة عن الكارثة المالية.

ومن هنا يمكن القول إنه على الرغم من أن فريق العمل الذي اختاره أوباما يأتي أغلب رموزه من تيار يمين الوسط في الحزب الديمقراطي، فإن احتمالات أن تميل بعض قرارات الإدارة الجديدة يسارا ليست مستبعدة والسبب في ذلك أن الوسط الذي يأتي أوباما وفريقه من على يمينه قد تحرك هو أصلا نحو اليسار، الأمر الذي قد يضطر معه من يتولى المسؤولية اضطرارا للاتجاه يسارا خصوصا في قضايا الداخل استجابة للضغوط الشعبية.

أما الدلالة الثانية التي تتجلى في تلك القصة فهي أن «التغيير» الحقيقي لا يحدثه «زعيم» مهما كانت ملكاته. فما لم تكن هناك ضغوط شعبية من أسفل فلا تغيير من أعلى. وعلى ذلك، فإن الأمل في الحركات الاجتماعية لا في أوباما نفسه. والتاريخ الأميركي خير دليل.

فكل التحولات الكبرى في تاريخ أميركا كانت بفضل حركات اجتماعية دفعت الرؤساء دفعا نحو إحداث التغيير، مثل حركة العمال ودورها في عهد روزفلت وحركة الحقوق المدنية ودورها في عهد جونسون. فهل تنجح «حركة» أوباما ومعها حركات العمال والبيئة ومناهضة الحرب فيما نجحت فيه حركات الماضي؟

manarmes@yahoo.com