في الثالث والعشرين من ديسمبر من كل عام، يحتفل الشعب المصري ب«عيد النصر» في ذكرى اندحار العدوان الثلاثي الغاشم على مصر، بإتمام انسحاب الجيوش المعتدية من مدينة «بورسعيد» التي قاوم الشعب فيها وفي «الإسماعيلية» وفي «السويس» ببسالة القوات الإنجليزية والفرنسية حتى قررت الانسحاب بعد أن أدركت أن المغامرة الحمقاء خاسرة لا محالة بعدما تبددت أحلام العدوان.
ولأن المعارك والحروب هي في الأساس صراع بين إرادتين سياسيتين بالنار لا بالحوار، وبالوسائل العسكرية لا السياسية، فإن نتائجها لا تقاس بحجم الخسائر على هذا الطرف أو ذاك، وإنما بمن استطاع في النهاية أن يثَبت إرادته، مهما طال الزمن أو زاد الثمن أو غلت التضحيات، خصوصا بين قوى غير متكافئة، بين أقوى إمبراطوريتين استعماريتين وبين دولة نامية لم يتوفر لجيشها ما توفر لجيوش العدوان.
ومع ذلك فليس هناك دليل على انتصار الإرادة الوطنية المصرية عام 1956 فيما يعرف عالميا بحرب السويس والتي بقيت علامة تاريخية فاصلة بين عصرين، عصر ما قبل السويس وعصر ما بعد السويس بعدما فشل العدوان في تحقيق أهدافه باستعادة قناة السويس وإسقاط النظام الوطني المصري بقيادة جمال عبد الناصر.
وتمكين العدو الإسرائيلي من احتلال سيناء مما تحقق من نتائج العدوان. بانسحاب المعتدين نهائياً من منطقة القناة ومن سيناء، وعدم بقاء جندي واحد من قوات الغزو بقاء «طويل الأمد» أو قصيراً، وارتفاع العلم المصري فوق مبنى قناة السويس وتثبيت قرار التأميم، وإجبار القوات الصهيونية على الانسحاب من سيناء، ودخول قيادة جمال عبد الناصر من موقع القيادة الثورية المصرية إلى مكانة الزعامة الشعبية العربية، بل والتحررية العالمية.
لكنه تجلى وضوحا أكثر بهروب رئيس الحكومة البريطانية «أنتوني إيدن» من موقعه أثناء اشتعال الأزمة وذهابه إلى جزيرة بعيدة للعلاج، وبسقوط جي موليه رئيس الحكومة الفرنسية في الانتخابات التالية، وبتنحي «دافيد بن جوريون» رئيس الحكومة الصهيونية.
بل إن انتصار الشعب المصري بالدعم العربي والإسلامي وخصوصا بالدعم السوري والروسي، وبالموقف الأميركي الداعم للانسحاب البريطاني الفرنسي، وبمناصرة الشعوب المؤيدة للحرية والرافضة للعدوان والمحبة للسلام في العالم، لم يقتصر فقط على الانسحاب من مصر بل من الشرق والخليج العربي كله طبقا ل«استراتيجية الانسحاب من شرقي السويس» البريطانية بعد الفشل.
وأكثر ما يثير الجدل لا النقاش، والشجار لا الحوار، في الوطن العربي هو الانقسام لا الوئام بين ثقافتين ثقافة الهزيمة وثقافة المقاومة، هو واقع التعدد لا التوحد، وفقدان الذاكرة الوطنية التاريخية وتشويه الحقائق التاريخية، خصوصا لدى الأجيال الجديدة التي لم تعش سنوات المد التحرري وانتصارات الشعوب في معارك تصفية الاستعمار، وتحويل الانتصارات إلى هزائم.
ومع ذلك فحركة التاريخ هي سلسلة من حلاوة الانتصارات ومن مرارة الهزائم، بل إن كل الدول العظمى شهدت الانتصارات مثلما شهدت الهزائم العسكرية والسياسية، وليس العيب في مواجهة هزيمة ما ولكن العيب هو في الاستسلام لإرادة الغزاة والقبول بالاحتلال، والتقاعس عن المقاومة وخوض المخاطر طلبا للحرية والكرامة الوطنية وسعيا لانتصار الإرادة الوطنية.
حركة التاريخ لا تتوقف، بل تتحرك بقانون القوة والمقاومة والفعل ورد الفعل، وتتحرك بسلسلة من التحديات في العديد من المحطات تقابلها الأمم الحية بالاستجابات الملائمة حين تقرر بإرادة المقاومة القبول بمواجهة التحدي.