أصبحت حالة قطاع غزة بمثابة امتحان عسير لإرادة المجتمع الدولي الذي يسعى لإيجاد منطقة وسطى يقف فيها بين الرغبة في عدم إغضاب اسرائيل وأعوانها في الدول الكبرى، وبين رسائل التخفيف من الشعور بتأنيب الضمير بسبب الصمت على مسلسل العقاب الجماعي الذي تمارسه اسرائيل بحق الشعب الفلسطيني خاصة في قطاع غزة الذي يشكل نزفاً يومياً مستمراً لقدرات هذا الشعب المقاوم على البقاء حياً.

ومهما كثر الجدل حول المتسبب في مأساة سكان غزة الا أن المسؤولية الكبرى تقع على عاتق اسرائيل بصفتها دولة محتلة تتحمل باحتلالها للاراضي الفلسطينية مسؤوليات توفير الاحتياجات الانسانية والأمن للشعب الواقع تحت الاحتلال بموجب مواثيق الامم المتحدة والاتفاقيات الدولية لحماية المدنيين وقت الاحتلال او الحروب.

إن حرب الإبادة التي تشنها اسرائيل ضد غزة بذريعة مقاومة ما تسميه اعمال العنف يجب ان تتوقف عاجلا ام آجلا، كما يجب عدم الربط بين تجويع شعب حتى الموت وحرمانه من الوقود في هذا الشتاء القارس وبين المساجلات السياسية حول التهدئة وسبل وقفها أو استمرارها، فالاستمرار في اعتصار هذا الشعب الذي يعاني في قطاع غزة بنسائه وأطفاله وشيوخه يعني دفعهم إلى حافة الانتحار.

وبما أنه شعب اعتاد على قيم المقاومة وتحمل أعبائها لذلك يتحول مفهوم الانتحار لديهم إلى مقاومة حتى الموت طلباً للشهادة، وفي هذه الحالة لا لوم عليهم ولا تثريب أن هم فعلوا، فالمرء إن فرغت طاقات التحمل لديه يستعذب الموت على الحياة، لكن إسرائيل يبدو انها قد فقدت بوصلة التوجيه السياسي وبخاصة على مشارف الانتخابات البرلمانية التي قد تأتي بحكومة جديدة تجد في تشديد الحصار على الفلسطينيين خياراً لا بديل عنه، وبذلك تعود دورة المواجهة العنيفة من جديد.

لذلك لابد من تدخل قوة اجنبية نزيهة للعمل على استمرار التهدئة والعمل في نفس الوقت على إنهاء هذه السياسة غير الاخلاقية وغير الانسانية التي يرى فيها قادة اسرائيل خياراً وحيداً لإخضاع الشعب الفلسطيني وهو خيار الحصار، ثم يتجادلون مع ناقديهم بالقول ان الحصار هو البديل الوحيد عن شن عمليات عسكرية واسعة النطاق يروح ضحية لها العديد من المدنيين، أي أن اسرائيل تريد ان تضع العرب والعالم امام خيارين أحلاهما مر.

إن وقف الاعتداءات وفتح المعابر واتاحة الفرصة لسكان غزة المدنيين كي يتحركوا في سبيل الرزق والعلاج هي وصفة علاج ناجع ينبغي فرضها فرضاً على اسرائيل ان كان المجتمع الدولي يبغي النجاح في هذا الامتحان الإنساني العسير.

ولعل الاتحاد الأوروبي يأتي في مقدمة المجتمع الدولي المرشح لخوض هذه التجربة المهمة بصفة هذا الاتحاد أقل عرضة من الولايات المتحدة الاميركية للتعرض لضغوط جماعات الضغط اليهودية في الخارج التي تصيبها الحساسية كلما طرح أحد الأطراف طرحاً يستهدف الضغط على اسرائيل من أجل الاستجابة للمواثيق الدولية والاتفاقات والتفاهمات الهادفة للتوصل إلى صيغة عادلة لحل الصراع العربي الاسرائيلي، فلا يعقل ان نصدق ان هناك توجهات لتفعيل الدور الاوروبي في عملية سلام الشرق الاوسط بينما نجد منظمة غوث اللاجئين في غزة تعجز حتى عن دفع اجور موظفيها في قطاع غزة بسبب الحصار ومنع توريد الاموال إلى المصارف الفلسطينية في القطاع.

لقد ارتكب المجتمع الدولي خطأ قاتلا بالانصياع لتوصيف اسرائيل لسلوك الفلسطينيين على أنه نوع من الإرهاب، وعليه فلابد من إعادة الامور إلى نصابها قبل أن تزداد أوضاع المنطقة سوءًا ولن تكون اسرائيل ابداً بمعزل عن رد الفعل لهذه السياسة.