إذا كان هدف السياسيين اللبنانيين الذين اجتمعوا ذات يوم في الطائف هو إنقاذ الوطن من حالة الحرب التي كانت قائمة وتاليا من براثن تخلفه وجموده، فأن الواجب يفترض منا أن نتذكّرهم بكل إخلاص، لكن أيضاً أن نذكّرهم ونذكّر من استلم الأمانة من بعدهم، بأن كسر الجمود وقمع التخلف لا يتم إلا بدفع الأمور إلى الأمام وتحريكها بشكل خلاّق.
وإذا انطلقنا من هذه المعادلة الواقعية البسيطة، نصل لحقيقة مفادها بأن من يريد بقاء حالة الشلل المفروضة على تطور الوطن وتقدّمه، سيصر حتما على التمسك بالقوالب النظرية الجامدة تحت مسميات ومحذرات كثيرة ومتنوعة. أما من يريد وطنا متقدما «وتقدميا» بكل معنى الكلمة، فسيسمع نداء الواجب الوطني المنزّه عن كافة المعتقدات الحزبية أو الطائفية الضيقة، وسيدفع باتجاه كسر تلك القوالب ويبادر في تطوير الاتفاقيات على اختلاف حساسيتها وموقعها الاستراتيجي.
في غمرة الأحداث وزحمة المواقف التي تطل علينا بين وقت وآخر من لبنان، برز مؤخرا ما يمكن أن «يبشّر» بانتقال حركة التصادم بين القوى المختلفة إلى مستوى أكثر تقدما مما هو عليه حاليا، وقد يصل في نهاية المطاف إلى ذلك التصادم السياسي الحضاري الذي يطمح إليه الجميع دون أدنى شك.
ما أقصد به تحديدا هو السعي الجدي التي تبديه بعض القوى لإثارة مواضيع حساسة على طاولة البحث، وأبرزها ما هو متعلق باتفاق الطائف وفيما إذا كان من الضروري تعديله أم الالتزام بالديباجة المعتادة التي يصر عليها البعض ومفادها أن هذه الوثيقة هي في خانة المقدسات التي لا يمكن المساس بها بأي شكل من الأشكال.
ما أثار انتباهي في الواقع ليس التصادم السياسي بحد ذاته لأن الخلاف في وجهات النظر هو منطقي ومطلوب في أية لعبة ديمقراطية صحّية، بل الآراء التي يتم تبادلها في ساحة العمل الصحافي بين الكتّاب على اختلاف توجههم الفكري، وتحول هذا الموضوع إلى مادة صراع في المطبخ الصحافي اليومي. وكما أصبحت العادة في لبنان، فإن دوائر الصراع لم تعد مقتصرة على الفروع السياسية والحزبية فقط، بل تجاوزتها لتورط فيها أيضاً الفروع الإعلامية الناشئة أو تلك المرفقة بهذا الطرف أو ذاك.
أن أخطر ما قرأت بين سطور ما يتم تلاقفه من مواقف بهذا الخصوص، هي الدعوات المتكررة التي يطلقها بعض المفكّرين من أجل «عدم المس بأي شكل من الأشكال » باتفاق الطائف، لأن ذلك سيكون بمثابة «كأس مليئة بالسموم والألغام» مثلما وصفها أحد الكتاب.
والقصد من وراء ذلك هو شريف بالطبع، لأن المؤمن بتلك الأفكار يعتقد في قرارة نفسه وعقيدته، بأن الوطن سيكون مهددا في حال تمت إعادة صياغة ذلك الاتفاق، نظرا لأن بعض القوى والشخصيات لن توافق على أي نوع من التجديد لاعتبارات مرتبطة بتقاليدها السياسية (أو الطائفية) التي نحترم ونجل.
شخصيا أعتقد بأن اتفاق الطائف هو كغيره من الاتفاقيات المرتبطة بتطور تاريخي محدد، وبالتالي هو ليس وثيقة مقدّسة ولا يجب أن يكون كذلك بأي شكل من الأشكال. ولأن المرحلة تتطلب نقل التفكير السياسي والعقائدي الوطني لمرحلة تتوافق مع التطور التاريخي الحالي، فإن الواجب يدعو الجميع من أجل العمل معا لإيجاد الآلية المثلى التي لا تسعى لاستفزاز أحد، لكن يجب عليها من جهة أخرى أن ترمي للنظر في سلسلة من الأمور الملحّة وأبرزها:
تحقيق جردة الحساب المطلوبة التي تبين للجميع مكامن الخلل أو القوة، إن وجدت، في الاتفاق المذكور، والتدقيق في الأسباب الواقعية التي منعت تنفيذ كافة البنود المتفق عليها خصوصا ما يتعلق بأبرز المواضيع حساسية مثل إلغاء الطائفية السياسية وغير ذلك من الأمور.
ولأن الوضع في لبنان هو دائما حساس ومتوتر في ما يخص العمل السياسي، فلقد تعمّدت الإشارة إلى تلك الآلية الملائمة التي يجب أن تتم صياغتها قبل بدء طرح أية نقطة خلافية مرتبطة بالاتفاق المذكور. هذا يعني بطبيعة الحال ضرورة الحرص على عدم استخدام هذا الموضوع كمادة للتنكيل (ولا أقول الصراع) السياسي مع الأطراف الآخرين، ولا أداة للضغط من قبل طرف على آخر.
المطلوب في الواقع هو التوصل إلى كلمة السر المرضية لجميع الأطراف والتي قد تكون قادرة على تعبيد طريق الوئام الوطني، لأن ما شهدناه من مبادرات توافقية وتصالحية حتى الآن ليست في الواقع سوى عمليات بدائية لشق ذلك الطريق ولم تصل إلى المراحل الإعمارية النهائية.
وأستغرب حقيقة عندما أسمع في بعض الأحيان تحليلات سياسية جامدة في ما يخص اتفاق الطائف من زعماء يمثلون أحزابا سياسية «تقدمية»، باعتبار أن هذا النوع من الأحزاب يجب أن يكون، مثلما علّمتنا التجارب التاريخية في أماكن أخرى، سبّاقا في طرح الحلول الثورية المنسجمة مع روح العصر وآلية تطوره.
إن المواقف السلبية المرتبطة بلجم حركة التطور انطلاقا من عدم السماح بفتح مجرد نقاش حول اتفاق الطائف، إنما تضع تلك الأحزاب في موقع الاتهام الحقيقي، لأنها تبدو كمن يسعى لوضع الوطن في قوالب جامدة على قياس المناطق والطوائف التي تحاول تمثيلها، فتسقط عنها بالتالي صبغة الوطنية أو التقدمية التي من المفترض أن تنتمي إليها في المقام الأول.
لا أعتقد بأن اتفاق الطائف قد أصبح دستورا وميثاقا جديدا للبنان أو صمام أمان مثلما يحلو للبعض أن يدّعي. لقد فشل هذا الاتفاق حتى الآن بتحقيق أبرز هدف تتوق إليه نسبة كبيرة من اللبنانيين وهو إلغاء الطائفية السياسية.أما ما تمكن من تحقيقه.. فقليل جدا مقارنة بتضحيات وعذابات الوطن وأبنائه.
