بعد سقوط بغداد في 9 أبريل 2003، ضرب أبو تحسين العراقي بحذائه التمثال الضخم للرئيس السابق صدام حسين الذي أسقطته القوات الأميركية وألقت به أرضاً، كتعبير عن الحقد والكراهية لرمز النظام السابق، ليعلن بذلك عن انتقال العراق من مرحلة إلى أخرى.
وبعد خمس سنوات من الغزو الأميركي ـ البريطاني للعراق، رمى الصحافي العراقي منتظر الزيدي بفردتي حذائه في وجه رئيس أقوى إمبراطورية عرفها التاريخ، ليكون هذا الحذاء الرّد الذي أدخل الزيدي التاريخ من باب وأخرجه من بقية الأبواب، بعد أن سطر نفسه في حركة التاريخ، وحاز على اهتمام الصحف العالمية، والقنوات الفضائية العربية، ولمتتبعي شبكة الانترنت والرسائل الهاتفية القصيرة.
صورة الرئيس بوش وهو يتحاشى الحذاء الذي ألقاه صحافي عراقي غاضب هي شاهدة على ولايتين ملطختين بأكبر إخفاق أميركي في منطقة الشرق الأوسط، ولاسيما المشروع الأميركي للتغيير الذي طرحه «المحافظون الجدد».
فخطاب الرئيس بوش الذي تبنى بعد أحداث 11 سبتمبر مشروع نشر الديمقراطية في الشرق الأوسط، وحمل على أنظمة المنطقة المعادية والصديقة للولايات المتحدة، لم يكن نابعا من إيمان الولايات المتحدة الأميركية بأن الديمقراطية يجب أن تكون في خدمة الشعوب العربية بما هي ذوات فاعلة.
وبما هي صانعة لنفسها ولحياتها الفردية والجماعية، ولتاريخها السياسي والاجتماعي، وعلى اعتراف المؤسسات المجتمعية بالحرية الفردية والجماعية التي لا قبل لها بالوجود ما لم يكن المحكومون قادرين على اختيار حكامهم بملء إرادتهم، وما لم يكن القسم الأعظم من هذه الشعوب قادرا على المشاركة في إيجاد المؤسسات المجتمعية وغيرها.
على العكس ذلك تماما، الرئيس بوش لا يملك من مشروع للتغيير في العالم العربي سوى مشروع الهيمنة الإمبريالية الأميركية، التي في سياق توسيعها وتعزيزها تهيئ لإسرائيل فرصة التحول إلى «إسرائيل العظمى».
كما أن الديمقراطية ما كانت ولن تكون يوما قرارا أميركيا، وإنما هي تخص الشعوب والمجتمعات العربية التي لا تنفك أبواقا موتورة في إدارة الرئيس بوش نفسها ترشقها بالاتهامات والإهانات تقول إن انتشار الديمقراطية وقيمها في بعض الدول التي ذكرها بالاسم، سوف يؤدي بحد ذاته إلى تخفيف مشاعر الاستياء وحتى العداء لأميركا المنتشرة في تلك المجتمعات.
لاسيما إذا لم يصاحبها تغيير جذري في السياسات الأميركية ليس فقط تجاه الأنظمة السلطوية، ولكن أيضاً تجاه إسرائيل وممارساتها، والتخلي عن مبدأ من ليس معنا فهو ضدنا، أو التهديد بالحروب الاستباقية. الحذاء العراقي يعبر عن حكم التاريخ ورد الشعب العراقي على «مشروع المحافظين الجدد» بصدد نشر الديمقراطية في العراق الذي عانى طويلا من الديكتاتورية.
ولكن، في غضون سنوات قليلة، تحولت الديمقراطية التي اتبعها هؤلاء المحافظون الجدد إلى أداة لتقسيم العراق إلى تيارات وكيانات وطوائف متناحرة تخون كل منها الأخرى، وإلى قتل عشر سكان العراق، بسكاكين «الديمقراطية المزدهرة طائفيا»، وإلى سرقة الإدارة الأميركية وشركائها ما قيمته مئة مليار دولار مما يسمى برنامج إعادة إعمار العراق، حسب ما ذكره آخر التقارير الصادرة من أميركا.
لقد أصبح حذاء منتظر الزيدي رمزاً للمجتمعات العربية المكبوتة والمقموعة والمستلبة سياسيا، التي تهشمت قواها الاجتماعية، وفقدت فعاليتها السياسية، وانخرطت في نمط الاستهلاك الذي عممته الرأسمالية الحديثة المتوحشة، وباتت أقرب إلى المجتمعات الأصولية التي تسيطر عليها ثقافة أصولية راديكالية منها إلى المجتمعات المدنية الحديثة المنتجة.
ولكنها تطالب برحيل القوات الأميركية من العراق، وبرفض التغيير الآتي عن طريق الدبابات الأميركية.. كما عبر هذا الحذاء الذي كان له وقع كبير في العالم العربي، عن عمق الطلاق التاريخي بين الشعوب العربية ومعظم الحكومات العربية هذا أولاً، وثانياً، عن إخفاق الأحزاب السياسية الحاكمة والمعارضة في صنع العملية الديمقراطية، باعتبار أن الديمقراطية قضية مجتمعية.
ولما بات «الحذاء»رمزاً للممانعة العربية، فهل يتجه الفكر السياسي العربي في وضعه «الحذائي» الراهن إلى القيام بمراجعة نقدية لأطروحاته بهدف بلورة مشروع عربي أصيل للديمقراطية، يكون ضد المشروع الأميركي للتغيير الذي طرحة «المحافظون الجدد»؟