الحكايات التي طارت في الشارع العراقي والشوارع العربية برهنت عن نوعية ثقافتنا في لحظة البحث لمن ينتشلنا من لحظات الانكسار، حتى وان كانت بحذاء فلماذا نندهش من الذين يفرحون من المفخخات، فكلهم من عائلة واحدة وان تنوعت المدارس، مدارس الإرهاب ومدارس الأحذية التي تجد كرامتها في مخارجه ومداخله.
أما ما الذي سيحقق لنا فيما بعد فإن ذلك لا يهم ففي النشوة لا يرى السكران من متعة الثمالة إلا تلك الرؤية الضبابية والغشاوة لكي ينتهي بعدها برحلة الغثيان. قد تساوى لدى الزيدي وبوش في تلك اللحظة من المواجهة «الحذائية» والابتسامة الساخرة، ولكنها تخفي غضبا امبرياليا لعينا سيذوق طعمه الصحافي الصغير خلف الجدران. سننتظر النتائج قريبا دون عجالة.
يبدو أن وداع الرئيس الأميركي للبيت الأبيض وختام السنة وأعيادها الميلادية لم تحفل بكل الأمنيات الطيبة خاصة وان بغداد بكل ما قدمته له من اتفاقيات مهمة وأهم بكثير من حذاء منتظر الزيدي المغبر، إذ مكسب الاتفاقية الأمنية والعسكرية سيحظى باهتمام اوباما والإدارة الأميركية فيما ذكرى الحذاء «الطنبوري» ستظل في ذاكرة الرئيس وذاكرة الأرشيف الأميركي وإعلامه.
دون شك إن طريقة قذف الحذاء على وجه رئيس دولة عظمى يعتبر إهانة كبيرة للشعب الأميركي وليس لنظامه السياسي أو ادارتة وحدها والتي نحن لا نفهم مغزاها حتى وان خرج علينا المتفصحنون حول الكرامة العربية المنتهكة التي حررها الحذاء المغبر، بقدر ما نفهم الحالة الاستعراضية التي حاول بها صحافي مغمور أن يصبح واجهة الحديث الإعلامي العالمي تلك اللحظة.
وهذا ما كان يطمح له استعراض الصحافي منتظر الزيدي الباحث عن بطولة فردية في لحظة إخفاق تاريخي وهو يشهد تبادل العناق والمصافحة بين المالكي والرئيس بوش وهما يتبادلان متعة الابتسامات حول انجازهما التاريخي لكل بنود الاتفاقية.
من حق الزيدي المحبط أن يفتش عن بطولته في الشارع العراقي وفي ثقافة ذلك الشارع الذي كان جزء منه يعيش لحظة الهزيمة فيما كان هناك جزء آخر سعيد بأن الاتفاقية ستنتهي مع عام 2011 ويستلم الشعب العراقي مهماته في إدارة بلاده عسكريا وأمنيا.
للعراقيين ثقافتهم الخاصة مع ثقافة القندرة، إذ من النادر أن تجد شعبا يشتم بعبارات القندرة فيما العراقيون حالما يغضبون لا يجدون أمامهم إلا عبارة «يا قندرة والعن أبوك يا قندرة» وهنالك سيل كبير من عبارات القندرة انطلاقا من تلك الثقافة التحتية فيما حظي العقال ثقافة العلو والفخر .
ولا يلقى إلا إذا تم الشعور بالخزي فيبدأ إلقاؤه في الأرض مع البدء بشتائم «نزلت عقالنا يا ابن القندرة» وكأن هناك علاقة جدلية بين التحتي والفوقي، بين العقال والحذاء أو النعال الذي صار ذات يوم رمزا بطوليا آخر لانتقام الشعب من تمثال صدام بعد أن اصطاد الأميركيون الرئيس وقدموه للعراقيين هدية للخلاص من الطاغية.
ولهذا سيكون كل الحفاة في العالم سعداء بتلك الخطوة فيما سينقل الأمن الأميركي الحذاء للمختبرات لفحصه فربما فيه حمضا نوويا منذ فترة البحث عن أسلحة الدمار الشامل مرة أخرى. ستكون لرحلة الحذاء من بغداد إلى البيت الأبيض حكايات كثيرة من الفانتازيا من بداية وضعه في المتحف إلى قصة مصانع إنتاج الأحذية والبحث عن نوع الماركة التي كان يحملها الحذاء ولكل النكات الممكنة والقصص التي كنا نحن نتداولها يوميا.
ربما يبقى الزيدي لأيام طويلة سعيدا ببطولته وهو يتلقى الصفعات خلف الجدران وهو يسمع الشتائم من رجال الأمن العراقي «فشلتنا يا القندرة مع الناس !!» وسيقدم للقانون تحت مواد عدة وسيبدأ المحامون في التفنن في البحث عن مواد ممكنة للتخفيف فلا يوجد في القانون العراقي قصة الحذاء والرئيس الأجنبي. لو عاش الدكتاتور ترى قبل الإعدام ماذا سيفعل به؟
هذا إذا سلمنا انه كان بالإمكان الوصول إليه بكل سهولة كما هو ممكن مع رئيس أميركي تصور العراقيون أن الصحافي كان بولاء كامل للنظام الجديد. من حق الديمقراطية الجديدة في العراق أن تفتخر أنها باتت تحظى باحترام في الغرب بعد حكاية الحذاء، غير أنها داخل العراق ستدخل جهاز الأمن في ربكة جديدة وسيزيد من قبضته على الإعلام والصحافة في كل لقاء صحافي، فهل سيكونون بهذا سعداء أم سيصابون بخيبة أمل ومضايقات بسبب حذاء أحمق اعتبره المعادون للنظامين دلالة عظمى ورمزا للفخر الساذج !
لكل حكاية وجوه عدة وسيبدأ الشارع العراقي جداله في الحدث وسيبحث دعاة النكتة عن كيفية سردها في المقاهي ففي لحظة حدوثها سيبدأ التعليق والجدال المتناقض حول كل ما نتج من عملية قذف الحذاء الذي لم يحقق أي تغيير على المستوى السياسي والعسكري، ولكنه سيتفاعل بطريقته الخاصة وسينسى الناس مع الوقت حذاء الزيدي كما نسوا «حكاية حذاء الطنبوري ونعال تحسين» بينما يخرج الزيدي من السجن ؟
بعد عمر طويل ـ للشارع رافعا رأسه حافيا كعقاب له وقد فتحت له كل دكاكين الأحذية في بغداد أبوابها فيما بدت جلدات رجله من الضرب دامية. كل تلك القصص ممكنة في سجون العراق وأقبيتها فليس للتصريحات في الصحف عن الديمقراطية أحيانا كل معاني الحقيقة فما يقال للإعلام لا يعكس ما يدور خلف الكواليس. مهما حدث من عقاب شديد فلن يبلغ عقاب صدام لو أنه كان على قيد الحياة بل ولم يكن مثل الزيدي أو غيره يجرأ في رفع حذائه فوق رأسه.
في الضفة الأخرى كانت كابول تستقبل الرئيس بوش بوسام رفيع امتص حزنه وهو في الفضاء قادما من عاصمة الرشيد. استمع الأفغان وإدارة كارزاي من الرئيس كل التطمينات بأن اوباما سيكمل نهج أميركا في ملاحقة الإرهاب والدفاع عن أفغانستان وإدارة كارازي التي تعثرت في القضاء على حركة طالبان بالسرعة المطلوبة.
أخيرا عاد الرئيس بذاكرتين حذاء الزيدي ووسام كارازي، ولا يعرف كيف يتعامل مع الاثنين في لحظة واحدة؟! ولكن للتاريخ نوادره القصصية العجيبة مثلما للعراقيين دائما خصوصيتهم الغريبة، فقد دخل بوش بغداد للحذاء وخرج منها بالاتفاقية وكلاهما كانا من نتاج شعب واحد، شعب الحذاء وشعب الاتفاقية !!