يتساءل الجميع الآن هل سقط العملاق حقاً؟!! أبعد أن كان العالم يحكمه عدة أقطاب في الماضي، ثم قطبين خلال الحرب الباردة، ثم القطب الواحد مؤخرا، هل أصبح حقا بلا متحكم له الكلمة المطلقة كما تعودنا من العملاق الأميركي منذ نهاية الحرب الباردة وحتى نهاية العام المنصرم 2007؟!
وهو الذي تلقى على حلبة الهيمنة العديد من اللكمات المباشرة الاقتصادية جراء الأزمة المالية التي عصفت تقريبا بالاقتصاد الأميركي من جهة، ومن اللكمات السياسية التي أدت إلى فقدان المصداقية الأميركية وبالتالي الهيبة الأميركية في العالم نتيجة السياسات الغبية من جهة ثانية، ومن اللكمات العسكرية نتيجة الخسائر الفادحة في الأموال والجنود والهيبة نتيجة المغامرات الحربية الفاشلة في أفغانستان والعراق..
هذا العملاق يبدو أنه سقط بالفعل على الأرض وبدأ الحَكَم في العد حتى عشرة تماما كما في حلبة الملاكمة، وأصبح العالم الآن يترقب وينتظر دون أن يستطيع الجزم تماما هل سينهض العملاق الأميركي قبل أن يكمل الحكم العد، أم سيظل مستلقياً على الأرض؟!
وسواء ظل على الأرض أم نهض، فإنه في الحالتين سيبقى العالم بلا قوة متحكمة حتى ينهض العملاق أو حتى يصعد عملاق جديد إلى قمة العالم. ويبدو أن العالم الآن بلا ضابط حاكم أو عملاق رشيد، يسير إلى المجهول.. ولابد للتوازن للعالم من عدة عمالقة يتسمون بالعدالة والرشد وليس عملاقا واحدا.
ان كنا نختلف مع سياسات بوش، فبوش سيذهب إلى غير رجعة، ونحن نعي ان أميركا ليست إبليس بل سياسات بوش وأمثاله، وأن الشعب الأميركى العظيم ليس بوش بل هو الذي سحب الثقة من بوش، وألقى على دميته مئات الأحذية أمام البيت الأبيض.
فأما وقد ذهب بوش وجاء من هو (ليس بإبليس) الرئيس ذو الأصول المسلمة الأفريقية باراك حسين أوباما، فقد يكون أمام العملاق الأميركي الفرصة لكي ينهض من سقطته إذا أراد بشرط التغيير الحقيقي لا التغيير الجزئي أو الانتقائي، وبشرط المراجعة والتراجع.
وذلك بصياغة جديدة لعالم جديد بلا ظلم ولا استغلال، وبلا هيمنة ولا تبعية، وبلا عدوان ولا احتلال، بل بتعاون دولي يقوم على الحرية والعدالة والمساواة من أجل الأمان والرخاء والسلام المشترك لشعوب العالم.
ومن مصلحة العالم نهضة العملاق الأميركي الرشيد والروسي الرشيد بل أكثر من عملاق رشيد، ولا مصلحة للاقتصاد العالمي من انهيار الاقتصاد الأميركي ومعظمه يربط نفسه به في عصر العولمة.. لكن إلى أي مدى سيستمر العالم في تمويل أخطاء السياسة الأميركية وثمن علاج أمراض الاقتصاد الرأسمالي الأميركي لمجرد فكرة أن السماح بكساد اقتصاده الضخم وسوقه الضخم يؤثر سلبا على اقتصادات العالم؟!..
إنها دعوة لإنقاذ أميركا من أمراض بعض الاقتصاديين الأميركان، ولإنقاذ الاقتصاد العالمي من أمراض الاقتصاد الرأسمالي الأميركي، ولإنقاذ أميركا من سياسات بوش، ومن الطبقية والعنصرية والنزعة الإمبراطورية.. أنقذوا أميركا من إسرائيل ومن بعض الأميركيين، فالانهيار الأميركي وسقوط العملاق ليس مكسبا، لا لأميركا ولا للعالم. في النهاية.. إما أن ينهض العملاق من سقوطه بعد التغيير والتعديل ويعود قطبًا رشيداً في مقدمة العالم، أو أن يختار العالم قطبا جديدا أكثر رشدا وأكثر عدالة.