يكاد موضوع العدوان على غزة أن يتحوّل إلى مزاد علني، في سوق الانتخابات الإسرائيلية. بازار مفتوح بين المتنافسين. رؤساء الأحزاب والكتل، الطامعون بالأغلبية، عملوا منه البند الأول في خطابهم الانتخابي. صار ورقة السباق بينهم، على رئاسة الحكومة القادمة. يتبارون في من يكون أكثر تشدّداً وعدوانية، إزاء القطاع؛ في محاولة لكسب الأصوات، كما لشحن القاعدة، المشحونة أصلاً، بالمزيد من مشاعر العداء والكراهية العنصرية للفلسطينيين. زعيمة كاديما، الوزيرة ليفني، توعّدت «حماس» بالإطاحة بحكمها؛ لو هي فازت برئاسة الوزارة.

نتانياهو، دعا إلى اتخاذ إجراءات وخطوات انتقامية، أشدّ صرامة وحزماً؛ ضدّ القطاع. أولمرت، آثر تصعيد العمليات العسكرية والعودة إلى سياسة الاغتيالات. توجّه، يبدو أن ايهود باراك، يشاركه فيه. فيما تؤيد الغالبية في الحكومة، قيام الجيش باجتياح واسع لغزة. لغة تحريضية حربية واحدة، ولو بنبرة وبدرجات مختلفة. خطاب، يرافقه تشديد للحصار، مع التوغل والقصف الجوي. الإمدادات تصل بالقطّارة.

وما سمحت إسرائيل به منها؛ صار على وشك النفاد التام. الكهرباء باتت مقطوعة، عن الغالبية من السكان. كذلك مخزون القمح والطحين. وكالة الغوث أوقفت تقديم مساعداتها لنصف عدد اللاجئين؛ والسلع الأساسية في نقص متسارع. في ذات الوقت استأنفت قوات الاحتلال عمليات التوغل والقصف من المروحيات؛ وكأن الظلمة والتجويع والتهديد، لا يكفي.

ما يدعو إلى الذهول، أن كل هذه الانتهاكات تجري في وضح النهار، فيما تقوم جهات، بالتحديد أوروبية، ليس فقط بتجاهلها والسكوت عليها؛ بل أيضاً بفتح المزيد من أبواب الاحتضان لإسرائيل. وذهبت إلى حدّ مطالبة العرب، تكراراً، بالتطبيع معها سلفاً. وكأن القواعد والمقاييس تنقلب رأساً على عقب، عندما يتعلق الأمر بإسرائيل. ما يجوز لها لا يجوز لغيرها.

حتى لو كانت المسألة تتصل بأوضاع إنسانية. صراخ بعض العواصم، التي تزعم الحرص على حقوق الإنسان؛ يختفي في الحالات الإسرائيلية. تصبح قضايا هذه الحقوق غير مفصولة عن السياسة. ويصبح العقاب الجماعي، مسألة فيها نظر؛ ولو أن القوانين والمواثيق الدولية تؤكد على تحريمه، تحت أي ظرف من الظروف. ازدواجية ساهمت، ليس في تشجيع وتحريض إسرائيل على المضيّ في غيّها وعدوانها فحسب؛ بل أيضاً في تدمير كافة فرص السلام؛ الذي أثبتت إسرائيل أنها لا ترغب به.

أيضاً ما هو مذهل وأكثر، أن يصل التنكيل والتهديد الإسرائيليين إلى هذا الحدّ؛ فيما الانقسام الفلسطيني باق على حاله وأكثر. الانشغال على الساحة يدور الآن حول الصراع على السلطة والمناصب والانتخابات. أن يأتي الظلم والقهر والتقطيع للقضية، من عدوّها؛ أمر متوقع. لكن أن يأتي شيء من هذا القبيل من أهلها؛ فذلك أمر جلل.