ما كان يدور في الخفاء ظهر إلى العلن، وما كنا نخشى حدوثه حدث فعلا، والمسألة أخطر مما نتصور، فبعد أن كشفت مصادر مطلعة لجريدة «الوسط» البحرينية يوم الثلاثاء الماضي ما دار في جلسة النقاش المغلقة التي عقدت في اليوم الأول لمنتدى «حوار المنامة» الذي احتضنته البحرين مؤخرا تحت عنوان «العمالة والأمن».

أكد وزير العمل البحريني الدكتور مجيد العلوي في تصريحات لصحيفة «الخليج» الإماراتية يوم الجمعة الماضي صحة ما شهدته تلك الجلسة من مطالبة المندوب الهندي في الحوار بتجنيس العمالة الهندية، ومنحها حقوقا سياسية، وعدم تحديد مدة لبقائها في الخليج، موضحا أن المندوب الهندي أكد أنه يطرح مطالبات رئيس الوزراء الهندي.

مصادر «الوسط» كشفت أن مشادات ساخنة بين ممثلي الهند ودول مجلس التعاون الخليجي قد حدثت بشأن حقوق العمالة الأجنبية في دول الخليج، وقالت إن الهند استشهدت في مطالباتها إعطاء حقوقٍ سياسيةٍ لعمالتها الأجنبية «المهاجرة» بفوز «أوباما» ذي الأصول الإفريقية برئاسة الولايات المتحدة الأميركية.

وأشارت إلى أن وزير العمل البحريني قاد حملة التصدي للمطالب الهندية، والتأكيد على ضرورة حماية الهوية الثقافية لدول الخليج العربي وعدم السماح لسيطرة العمالة الأجنبية على الواقع العمالي في دول الخليج، وهو ما أكده الدكتور مجيد العلوي في تصريحه لصحيفة «الخليج» ذاكرا أنه طالب بالتأكيد على فترة السنوات الخمس التي يجب بعدها تدوير الأيدي العاملة في دول الخليج بعد تجاوز هذه الفترة منعا لدخولها الإطار القانوني الذي يسمح بمنحها حق المواطنة، الأمر الذي أثار حفيظة الدول المصدرة للعمالة الأجنبية، وبالخصوص الهند التي رفضت المقترح وتمسكت بأن يتم وصف العمالة بـ «المهاجرة» لا «الوافدة» وهو ما يمهد لها الحصول على حقوق المهاجرين في مختلف بلدان العالم.

مطالبات المندوب الهندي في «حوار المنامة» تأتي متزامنة مع التقرير الذي أعدته اللجنة المؤقتة المكلفة بدراسة العمالة الوافدة في دولة الإمارات وتأثيرات قرارات وأنظمة وزارة العمل الجديدة وقدمته في جلسة المجلس الوطني الاتحادي التي عقدت يوم الثلاثاء الماضي، والذي كشف أن عدد العمالة الوافدة في الدولة بلغ 5 ملايين ونصف مليون نسمة من عدد السكان البالغ 6 ملايين و300 ألف نسمة في نهاية العام الماضي 2007م.

بينما بلغ عدد المواطنين 900 ألف نسمة، الأمر الذي يعني أن نسبة المواطنين تمثل 14% من عدد السكان تقريبا، ونوه التقرير إلى أن العمالة الوافدة ؟ وخصوصا الآسيوية ؟ تهيمن على هيكل وتركيبة سوق العمل الخاصة بنسبة 90% من إجمالي القوى العاملة في نهاية عام 2006م، مشيرا إلى أن العمالة الآسيوية وحدها تسيطر على 1,78% من سوق العمالة.

بينما تبلغ نسبة العمالة من كل الجنسيات الأخرى بما فيها العربية 2,19% ويتركز 7,98% من هذه العمالة في القطاع الخاص، منها 4,72% ذات مستويات تعليمية وثقافية منخفضة، وأشار تقرير اللجنة إلى أن الآثار المهمة لموطن الخطر السكاني يرتبط بعائلات العمالة الوافدة البالغة مليونا و970 ألفا من النساء والأطفال، أي أنها تبلغ أكثر من ضعف إجمالي عدد مواطني الإمارات من جميع الفئات والأعمار.

الأرقام التي تضمنها تقرير اللجنة بما فيها تصاريح عمل الاستقدام من الخارج في الربع الأول من العام الجاري، والتي بلغت 640 ألف تصريح، تدل على أننا غير متيقظين للخطر المحدق بنا والذي كشفت عنه مناقشات «حوار المنامة» التي أخرجت ما يدور في الخفاء إلى العلن. وزير العمل الإماراتي أكد في رده على مداخلات أعضاء المجلس الوطني الاتحادي أنه لا توجد حلول سحرية للعمالة الوافدة الكبيرة، ولا يوجد أمامنا سوى خيار الانتقال إلى مراعاة التنمية بكافة جوانبها على نحو يتناسب مع حجم السكان والتعليم، أي بمعنى إعادة هيكلة التنمية بما يناسبنا.

هذا الخيار الذي طرحه وزير العمل هو مطلب الجميع في ظل الحقائق المطروحة والمخاطر التي تهدد كياننا، وهو الخيار الأفضل أيضاً في ظل الأرقام التي تتحدث عن البطالة بين المواطنين الذين بلغ عدد العاطلين عن العمل منهم 30 ألفا وفق تقرير لجنة المجلس الوطني الذي توقع أن ترتفع نسبة البطالة بين المواطنين في السنوات المقبلة، حيث سيلتحق بمؤسسات التعليم العالي حتى عام 2015 أكثر من 100 ألف مواطن مقابل 206 آلاف مواطن سيلتحقون بسوق العمل بعد حصولهم على شهادة الثانوية العامة أو شهادات عليا.

مرة أخرى نقول إن الأرقام التي أمامنا مفزعة وصادمة إلى الدرجة التي تتطلب منا التعامل معها بالجدية التي تستحقها، ففي حين يقول وزير العمل البحريني إن قرابة 4 ملايين هندي يعملون في منطقة الخليج، تقول آخر إحصائية لعدد السكان في دولة الإمارات إن عدد الهنود بالدولة يبلغ مليونين و376 ألفا و617 نسمة، أي أكثر من نصف عدد العمالة الهندية في منطقة الخليج كلها وما يقارب ثلاثة أضعاف مواطني الإمارات!

ومرة أخرى نؤكد أننا يجب أن نأخذ المطالبات بتجنيس العمالة التي يصر ممثلو حكوماتها على أنها «مهاجرة» وليست «وافدة» ومنحها حقوقا سياسية وعدم تحديد مدة لإقامتها، يجب أن نأخذ هذه المطالبات على محمل الجد كي لا تفرض علينا واقعا جديدا لا نستطيع التخلص منه، وكي لا نجد أنفسنا يوما خاضعين لقوانين دولية تفرض علينا هذه المطالبات فرضا لا يتيح لنا مجرد مناقشتها، ناهيك عن رفضها.

ومرة أخرى نكرر أننا لسنا ضد شعب معين من شعوب الأرض ولا جنسية من الجنسيات، كي لا يساء فهمنا، ولكننا مع مصلحة أوطاننا التي يتهددها الخطر، وتتعرض لكارثة سكانية واجتماعية وثقافية إن لم نتصد لها اليوم فسوف نجد أنفسنا غدا غرباء في أوطاننا، نعامل معاملة الأقليات كما هو الحال في بلدان كثيرة تعرضت للغزو السكاني فسيطرت الأغلبية فيها على سكانها الأصليين الذين غدو أقلية لا حيلة لها.

سنظل نقرع الجرس تلو الجرس، فربما تفلح هذه الأجراس في إبقائنا متيقظين للخطر الذي أصبح مقيما بيننا، نقول «ربما» ونحن نخشى أن يكون قد فات أوان قرع الأجراس ووقعت الفأس في الرأس.

كاتب إماراتي

aliobaid4000@yahoo.com