تبقى الدول العربية على الدوام الوجهة المفضلة لدى الكثيرين من محبي السفر وعشاق التعرف على ثقافات ومعالم غيرهم، وتبقى أيضا زيارة بعضها مؤجلة في جدول سفرنا، نتوق شوقا إلى لحظة تحقيق تلك الرغبة ونترقب بحب إدراك ما تأخر.

خلال الأسبوع الماضي كنت في زيارة للجمهورية العربية السورية شرفت بالوجود في ضيافة مهرجان دمشق الرابع عشر للمسرح، كانت فرصة للتعرف عن قرب على معالم كثيرة سمعت بها وقرأت عنها الكثير من دون أن أراها، لعل أهمها معالم «دمشق القديمة» التي لا تكتمل من غيرها أي زيارة لتلك البقعة من الجسد العربي، على الرغم من أنها لا تمثل أكثر من 5 في المئة من مساحة مدينة دمشق الحالية، لكنها بلا شك تعتبر الأهم.

لا تفي الكلمات بحق تلك المدينة العتيقة الواقعة خلف سور كبير ببواباته المتعددة، ولا تتمكن العبارات من نقل ما يتملك الزائر من مشاعر وأحاسيس لحظة أن تطأ قدماه أحياء الشام القديمة ومنازلها القديمة التي تعبق بروح التراث والأصالة ويغادر واقعه ليحيا ماضيا جميلا وقد أسرته العمارة الدمشقية الشهيرة التي لا تخطئه العين، لينسى بذلك في ربوع تلك الحارات التي لا تزال محافظة على طابعها الذي يشكل إرثا ثقافيا لا يقدر بكنوز الدنيا.

مدينة تكتسب أهميتها من موروثاتها التاريخية من حارات قديمة وقلاع وحصون لا تزال تحتفظ بتفاصيلها الدقيقة فتقف شامخة تروي قصص حضارة إنسانية رائعة قامت هناك تأسر الرائي الذي لا يملك سوى أن يقف متأملا حاراتها التي لم تتأثر بالتطور العمراني، يشعر في ربوعها أنه يعيش تلك الأيام بكل ما كان فيها رافضا الخروج من تلك الحالة.

أينما كانت البوابة التي قادت زائر المدينة إلى الداخل من الشرق أو الغرب هو الإحساس ذاته الذي يحياه والجمال نفسه الذي يأخذ لبه وهو يقطع الطرقات المعبدة بالحجر يدخل متاهة الأزقة الضيقة بين البيوت المتراصة لا يرى من الخارج سوى جدرانها حتى إذا توقف عند إحداها ودق بابه الخشبي وشق طريقه إلى البيت فيستقبله الليوان وهو غرفة يشبه المجلس الطولي عندنا قديما مزين بأجمل النقوش وفيه تضع الأسرة أجمل ما لديها من أساس وتحف وسجاد وغيره، هذا الليوان يكون مخصصا في العادة للضيوف من الرجال، ومنه يكون الفناء الواسع تحيط به الغرف ويتوسطه حوض ماء وتنتشر فيه أنواع الزهور إشارة على روائع الفن المعماري.

ولعل أكثر ما يميز هذه الأحياء التي لم يعرف سكانها التفرقة والتمييز هو تجاور منابر المساجد والجوامع مع الكنائس في دلالة على التسامح الديني الذي كان يعيشه الأهالي في تلك الحارات والأحياء التي تجمعهم الجيرة من جانب وعلى الجانب الآخر تتجاور تجارتهم ومهنهم في أسواق تعد الأشهر في الشرق، هي الأخرى لا تقل روعة عن غيرها من معالم المدينة القديمة.. وغداً نواصل.

fadheela@albayan.ae