يُقال إنه، في مكان ما من أرض الله الواسعة، عُقد مؤتمر افتراضي للفضائيات العربية لغرض المداولة في شؤونها، وعلاقتها بمشاهديها، وأسلوب أدائها، وتأهيل طاقاتها، وما إلى ذلك مما تختنق به هذه الفضائيات من مشاكل تقنية وتنفيذية وأسلوبية وانحيازية ولغوية وتمويلية ، إلخ .

وقد حضر المؤتمر ممثلون عن كل الفضائيات التي تقتحم خلوة المشاهدين وتقودهم بالقوة إلى برامج تثقل عليهم وتسلب راحتهم، وتشوّش معارفهم، وتربك واقعهم واستشرافهم لمستقبلهم . وكان من بين الحضور عدد من خبراء الإعلام والبرمجة والتسويق من مختلف دول العالم، وعلى رأسهم البروفيسور روجر ميجر مدير التسويق في سيليكون فالى.

وعلى عادة قنواتنا الفضائية قذفت كل واحدة منها بأشد محرريها قوة وخطابة، وأكفأهم بإدارة المحاورات وتحويلها حيث شاء، وقطع الطريق على المتحاورين الذين يشذّون عن الطريق الذي رسمه لهم مقدم البرنامج على أساس إستراتيجية القناة .

وكان مما يسعدنا أن يكون بينهم الكثير ممن عُرفوا بقوة الشكيمة، والعناد في ما كان يبيّته لهم زملاؤهم في القنوات الأخرى من مزالق كلامية ومطبّات معرفية تجعلهم يلهثون في مجاراة خصمهم دون جدوى . ومع أن المؤتمر كان في غاية الشفافية إلا أننا لم نشهد على الشاشة غير صور غائمة، وحوار ممزق لم نلتقط منه ولا كلمة . وقد أسر لي أحد الإخوان المشاركين في المؤتمر بأن ذلك كان مقصودا ومخططا له مسبّقا .

كان مخصصا للمؤتمر يومين، قضى اليوم الأول في المساجلات الكلامية الحامية، ومصادرة ( الرأي الآخر ) ، والخروج من القاعة بعد الغداء للتنزّه في ما يحيط بالفندق من حدائق، وما في المدينة من معالم أريد لها أن تكون معالم حضارية، ولم تكن . وبقيت القاعة خالية إلا من بعض القادمين للتعرف على مشاكل البلد المضيف الذي أنفق الملايين على هذا المؤتمر الذي حضّروا له منذ سنة .

وكانت خيبة روجر ميجر مدير التسويق في سيليكون فالى بادية للعيان؛ في حين كانت عينا نعمان فضل الله الفرحان، قوميسير المؤتمر، تطفحان بالبشر والانتصار . ومع ذلك، لم يُفلح نعمان الفرحان في استعادة المندوبين إلى مائدة الحوار، فأجّل الجلسة إلى اليوم التالي .

في اليوم التالي واصل المندوبون خطاباتهم الحماسية، دون الالتفات إلى ضيف الشرف الرسمي روجر ميجر مدير التسويق في سيليكون فالى الذي كان من المفروض أن يقدّم تجربته، ويعقد ما نسميه نحن ( ورشة عمل ) ويشرح فيها آفاق العمل الفضائي ( من الفضائيات ) ، ويقدم نصائحه في ورقة العمل التي جاء بها من بلاده . ولكن أي شيء من ذلك لم يحدث، فقد اعتلى روجر ميجر المنصّة وسكت .

وبعد صمت اعتبره المندوبون استخفافا بهم، نطق، فتحدث لهم حديثا طويلا عن النظارات الطبية وتطورها ونوعياتها وضرورة الدقّة في إنتاجها واستعمالها، وصولا إلى العدسات اللاصقة، التي بيّن الظروف الطبية المناسبة لاستخدامها، وقد دهش المؤتمرون من سعة اطلاعه على صناعة النظارات.

كما دهشوا من حشر هذه المعلومات في مؤتمر للإعلام وآفاقه ووسائل تطويره؛ ولكنه بدد دهشتهم عندما قال : « نحن كرجال إعلام مسؤولون عن صفاء ضمائرنا، لسنا بحاجة إلى استعمال أي من هذه العدسات البسيطة التي حدثتكم عنها، مهما كانت دقيقة ومعقدة، لرؤية مشاكلنا ابتغاء حلها، ولكن بيننا من يحتاجون إلى ميكروسكوبات ليروا الصغائر التي يشغلون بها الناس ويلوثون حياتهم بالبرامج التسويقية الهابطة، والآمال الفارغة والأحلام التي لا نهاية لها ولا حدود للمنطق فيها، ويغضون نظرهم الذي لا تنفع معه النظارات عما يجري على أرضنا وكوكبنا من هموم تخلع القلب، وتحرج الحقيقة، وتخجل القلم .

أنا لست واعظا لأدلكم على الصواب، ولكنني أقول لكم إنني أحتفظ بنظاراتي الطبية للقراءة، وبوعيي، لقراءة الحقائق؛ وأقترح على إدارة المؤتمر أن تجهّز للمؤتمر المقبل ميكروسكوبات توزعها على الحاضرين لتريهم واقع الحال ومآسي الأرض، وتجعل لكلامهم معنى ».

كاتب عراقي

mohammed_saggar@yahoo.fr