تبدو فرنسا ساركوزي وكأنها سائرة في طريق التخلي، التدريجي، عن الموقف المتوازن الذي اعتادته باريس؛ إزاء الملف الفلسطيني. بل أحياناً كان هذا الموقف حازماً، ولو لفظياً، في انتقاداته لإسرائيل وسياساتها العدوانية. في الآونة الأخيرة، وبالذات خلال الأشهر الستة التي تولت فيها فرنسا رئاسة الاتحاد الأوروبي، أخذ هذا التوازن يختل وينحرف باتجاه إسرائيل أكثر فأكثر.

اعتمد الرئيس الفرنسي ووزير خارجيته مقاربة معكوسة؛ تقوم على تسليف إسرائيل، بدلاً من مطالبتها. على تطمينها مسبقاً، بدلاً من تطمين الفلسطينيين والعرب. على منحها امتيازات ومكافآت، بدلاً من تحذيرها، حتى لا نقول معاقبتها، بسبب نسفها المتوالي لفرص السلام. واليوم يطالب الوزير كوشنير العرب بمبادرات «تطبيعية» مع إسرائيل!

بدأ هذا المسار في مشروع الرئيس ساركوزي، «الاتحاد من أجل المتوسط». التطبيع مع إسرائيل، تحت عباءة الوليد الإقليمي الجديد، كان أحد أهم الأهداف. عندما وضعت الدول العربية، المشاركة في الاتحاد، فاصلاً بين العضوية والتطبيع؛ سارعت إسرائيل إلى افتعال التعقيد من خلال اعتراضها على وضعية الجامعة العربية في التجمع الجديد. ولم تتراجع عن ابتزازها، إلاّ بثمن.

أعطيت منصباً في الأمانة العامة للاتحاد. ثم بدأ الحديث عن تطوير علاقات تل أبيب مع الاتحاد الأوروبي بذريعة أن من شأن ذلك تشجيع إسرائيل على التقدّم نحو السلام. البرلمان الأوروبي، صوّت على قرار بوجوب تجميد النظر في هذا الموضوع، طالما بقيت إسرائيل تمارس الانتهاكات بحق الشعب الفلسطيني.

بالرغم من ذلك أصرّ الرئيس الفرنسي، على الخطوة وحمل الاتحاد، في قمته الأخيرة على الموافقة على رفع مستوى العلاقات مع إسرائيل؛ إلى درجة قريبة من العضوية الكاملة في الاتحاد. وفي امتداد هذا التوجه، ذهب ساركوزي، قبل أيام، إلى حدّ طرح حلوله، بشأن واحدة من أكثر القضايا الأساسية حساسية؛

حين دعا إلى اعتماد مبدأ التعويض المالي، كمخرج لحل مسألة اللاجئين الفلسطينيين. وكأن القرار الدولي رقم 194، الذي ينصّ على حق العودة، غير موجود. وزير خارجيته، كوشنير، في كلمته، أمس الأول، أمام المنتدى الفرنسي ـ الأوروبي ـ العربي بباريس؛ رأى أن المسألة في أساسها تكمن في «الحاجز النفسي» المطلوب كسره، من خلال «التفكير بتدابير ثقة» بين إسرائيل والعرب. الحلّ، في رأيه؛ يكون في إطلاق مبادرة «التطبيع التدريجي»، بين الجانبين.

تدرك باريس تماماً أن المشكلة تكمن في الاحتلال الإسرائيلي وسياساته. كما تدرك أن تل أبيب هي التي نسفت، عمداً، كل مبادرات ومحاولات واتفاقيات السلام. كل مسعى لا يضع الإصبع على هذه الحقائق مصيره ليس الفشل فحسب، بل أيضاً إضعاف مصداقية صاحبه.