أمس ـ الجمعة‏19‏ ديسمبر‏2008‏ ـ انتهت مدة التهدئة بين إسرائيل وحركة حماس الفلسطينية‏,‏ التي استمرت ستة أشهر‏,‏ وبالتالي فإن الأوضاع في قطاع غزة باتت مرشحة لمزيد من التوتر والتصعيد‏.‏

وتشير الأنباء إلى أن إسرائيل بدأت التصعيد بالفعل‏,‏ حيث صرح المتحدث باسم الجيس الإسرائيلي أمس أن الجيش الإسرائيلي قادر على تفكيك البنية التحتية لحماس في القطاع‏,‏ وهي لغة تحمل في طياتها تهديدا مبطنا لا يخفى على أحد‏,‏ ومن جانبها أعلنت كتائب القسام التابعة لحماس أن أي اعتداء إسرائيلي على غزة سيفتح باب الصراع على مصراعيه‏,‏ وهكذا تزداد التوترات يوما بعد يوم‏.‏

ونظرا للتعقيد المتواصل للأوضاع في غزة فقد تشابكت خيوط كثيرة في بعضها‏,‏ واختلط الحابل بالنابل‏,‏ وفي ظل حالة التيه والتخبط ضاعت الحقائق البديهية التي بدونها ستزداد الأمور سوءا فوق سوئها‏,‏ ولذلك فلابد من التذكير بهذه الحقائق والبديهيات من جديد‏.‏

وأولي الحقائق التي لا تقبل الشك أن إسرائيل هي قوة احتلال‏,‏ وهل يشك أحد للحظة واحدة في أن إسرائيل تحتل غزة؟ قد يقول متقول إن القوات الإسرائيلية خرجت من غزة‏,‏ فهل هذا صحيح؟ وهل يعني ذلك أن غزة أصبحت منطقة محررة؟ أبدا من يصرح بذلك فهو عاجز عن فهم قواعد القانون الدولي‏,‏ إن قطاع غزة ليس جزءا منفصلا عن الضفة الغربية والقدس‏,‏ حيث إن المناطق الثلاث تشكل جميعها وحدة جغرافية واحدة‏,‏ وجاء توضيح الخارجية المصرية أمس ليضع النقاط فوق الحروف‏,‏ قال التوضيح‏:‏ إن غزة والضفة والقدس لا يمكن التعامل معها بشكل مجزأ وإلا فإن هذه الوحدة الجغرافية والقانونية للمناطق الثلاث تنهار‏.‏

أما الحقيقة الثانية فهي أن إسرائيل ـ باعتبارها قوة احتلال ـ هي المسئولة قانونيا عن توفير الغذاء والمياه والدواء والوقود وعناصر الحياة الأخرى للفلسطينيين في القطاع‏..‏ نقول‏:‏ إسرائيل وحدها وليس أحدا آخر‏!‏

والحقيقة الثالثة أن غزة تعتبر مأزقا مرعبا لإسرائيل وإلا لما سحبت قواتها منها‏,‏ ومن ثم فإن إسرائيل تحاول إلقاء هذا العبء عن كاهلها وترميه على أي طرف آخر‏,‏ وطبعا ـ وبحكم العلاقة التاريخية بين مصر وفلسطين ـ فإن مصر تكون هي دائما الطرف الذي يحاول الجميع توريطه في أي أزمة‏!‏

والحقيقة الرابعة هي أن مصر بدورها لم تتراجع قط عن أداء دورها مع أشقائها الفلسطينيين‏,‏ وعندما يتحدث المتحدث باسم الخارجية عن أرقام المساعدات المتوالية من المصريين لأشقائهم في غزة فهو لا يقصد التعيير ولا المن ـ لا سمح الله‏,‏ بل الغرض هو توضيح الصورة للغافلين الذين لايريدون أن يفهموا‏.‏

ثم تبقي حقيقة خامسة مهمة جدا‏,‏ وهي أن مصر لا يمكن أن تميل لصالح طرف فلسطيني ضد آخر‏,‏ لأن الأساس الذي تسعي إليه مصر هو حل القضية الفلسطينية حلا عادلا يجني ثماره كل أبناء الشعب الفلسطيني‏,‏ وليس فصيلا واحدا مهما كانت التوجهات الفكرية والايديولوجية والمصلحية لهذا الطرف‏,‏ وبالتالي فإن مصر لا يمكن أن تخضع لابتزاز من أي كائن كان‏,‏ ولابد أن يكون ذلك معروفا للجميع دون لف أو دوران‏!‏

مصر مع التهدئة‏,‏ ليس تحقيقا لمصلحة فصيل على حساب آخر‏,‏ بل تحقيق لمصلحة المواطن الفلسطيني المسكين الذي أنهكه الحصار الإسرائيلي لغزة‏,‏ وأنهكه الصراع العبثي على السلطة بين الفرقاء الفلسطينيين‏.‏