في اليوم التالي للواقعة، تلقى هاتفي النقال سيلا من النكات حول قيام الصحافي العراقي منتظر الزيدي برشق الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش بالحذاء، محولة حدثا لن يمحى من ذاكرة العالم إلى مسرحية هزلية ستضحكنا لسنوات مقبلة. في الواقع لم يتوقف سيل النكات، فما ان شرعت بكتابة الفقرة الأولى في هذا المقال، الا وتسلم هاتفي أحدثها: من هو الحاكم الذي بدأت ولايته بسقوط برجين وانتهت برميه بجزمتين؟

أرسل الإجابة إلى (www.jazma.com) وعدا نكات أخرى تقول إحداها ان «الإدارة الأميركية صنفت الأحذية ضمن أسلحة الدمار الشامل» وأخرى تقول «ان الصحافيين سيدخلون المؤتمرات الصحافية من الآن فصاعدا حفاة»، فان جرعة الكوميديا الهائلة في ردود الفعل وطغيانها على سائر ردود الفعل الأخرى يمثل من وجهة نظري جوابا حيال واحدة من أسوأ حقب التاريخ الحديث.

لم يكترث أحد أو توقف لتقديم تفسير آخر يستعين بالمنطق أو العرف الدبلوماسي أو السياسي، أمام ردود فعل سريعة اختزلت الواقعة كلها إلى جواب على سياسات الإمبراطورية طيلة ثماني سنوات من عهد بوش.

الواقع، أن إهانة الزعماء على نحو علني، أمر شائع في الغرب، ومن يتابع جلسات مجلس العموم البريطاني مثلا سيجد أن المكان يتحول أحيانا إلى مسرح مشاجرة في الشارع. وغداة التحضير لحرب تحرير الكويت أواخر العام 1990، كان بعض المحتجين من الأميركيين يقاطعون خطاب جورج بوش الأب في الكونغرس وهم يهتفون «لا دم من أجل النفط».

في ذاكرتي أيضا صورة لفتاة بريطانية ترشق رئيس وزراء بريطانيا الأسبق ادوارد هيث بالحبر احتجاجا على مساعي هيث للانضمام إلى ما كان يعرف وقتها بالسوق الأوروبية المشتركة التي غدت اليوم الاتحاد الأوروبي. ومن الممكن أن يقابل أي زعيم غربي بالصفير وصيحات الاستنكار في مهرجان خطابي أو تجمع عام أو لدى مروره في الشارع، فما الذي يجعل من قيام صحافي عراقي برشق رئيس أميركي بحذائه حدثا سيدخل التاريخ؟

إن جرعة السخرية الطاغية في رد الفعل تجاه «واقعة الحذاء» تدلل بلا شك على انعدام الحيلة والحاجة الماسة لانتقام لا تتيحه السياسة أو معركة فاصلة. لقد تصرف الزيدي بوحي من مشاعره بالتأكيد وليس بما تمليه عليه وظيفته، واذ بدت الواقعة خارج حدود الكياسة وأصول التصرف، فإن تصرف الزيدي يبدو من نفس صنف السياسة التي يرد عليها.

فكل ما يرتبط بسياسة بوش في أذهان الملايين عبر العالم هو خارج السوية والمنطق أيضا. إنه يغترف من نفس ثمار سياسة إدارة بوش، إدارة مكارثية في نسخة ثانية غاية في السوء والفجاجة دشنت سوابق لا مثيل لها. إدارة لم تظهر سوى تخليها على السوية مرارا وعزما لا مثيل له على تكريس «الإذلال» عنصرا رئيسيا في علاقتها بالعالم، فلم العجب ان كان شخص ما قد قابل كل هذا بتصرف غير سوي؟

لقد ظلت إدارة بوش منذ 2001 تنادي بالدمقرطة مترادفة بالحرب على الإرهاب، لكن أولويات الحرب طغت لتؤسس السوابق: انتهاك لا مثيل له لقيم الديمقراطية وحقوق الإنسان التي تنادي بها الإدارة.. «أبو غريب» الذي دفع العراقيين والعالم للتساؤل عن الفارق بين النظام الذي أسقطه الأميركان والنظام الذي يبشرون به.

«غوانتانامو»، سابقة أخرى مازال ديك تشيني يدافع عنها حتى قبل أيام عندما اعتبر ان إغلاق هذا المعتقل «لن يكون ممكنا الا عند انتهاء الحرب على الإرهاب» بل وأسدى نصيحة لإدارة باراك اوباما بالقول «ان غوانتانامو كان ثمينا للغاية واعتقد انهم سيدركون ان محاولة إغلاقه ستكون صعبة جدا». (وكالة الصحافة الفرنسية، 16 ديسمبر).

وإذا ما أضيف إلى ذلك فضيحة المعتقلات السرية في أوروبا، فإننا سنكون أمام إدارة لم تفعل سوى ان انتهكت قيم الحرية وحقوق الإنسان بمثابرة عصابة لا تكثرث لشيء سوى مصالحها ومصالحها فقط. وفي سبيل ذلك أثبتت أنها مستعدة لتحويل العالم بأسره إلى مقابل آخر للجحيم.

غداة 11 سبتمبر، كان بوش يردد تساؤلا ساذجا: «لماذا يكرهوننا؟»، الآن فقط يمكن لبوش ومن ردد هذا التساؤل الساذج ان يجد شيئا من الجواب. وعندما يحاول المرء ان يتذكر سجل الاحتلال الأميركي للعراق، لن يجد أكثر من بلد برسم التقسيم، دخل شعبه في احتراب أهلي وضحايا بالآلاف ودمار في كل أنحاءه.

هل نتحدث عن أصل الإرهاب؟ المشكلة التي لم يواجهها جورج بوش وإدارته يوما إلا بمزيد من الإذلال للضحايا ونعني الصراع العربي؟ الإسرائيلي؟ لقد كانت آلة الحرب الإسرائيلية تدك لبنان في صيف 2006 وتوقع عشرات الضحايا من المدنيين ودمارا كبيرا لبلد تعافى للتو، فيما كوندوليزا رايس تؤكد على وقع القنابل بجزم لا رعشة فيه أن هذا هو مخاض الشرق الأوسط الجديد.

أما الدراما الفلسطينية وانعدام السوية لدى الإسرائيليين فلا يستدعي سوى وعد أجوف بقيام دولة فلسطينية نهاية العام 2008؟ هاهو العام 2008 يوشك على الانتهاء فما الذي سيفعله بوش للوفاء بوعده خلال أقل من أسبوعين؟

لقد استوقفني أمر واحد منذ الواقعة: ان أحدا لم ينبري للدفاع عن بوش أو عن أميركا؟ وإذا كانت إدارته تتباهى بمنجزات ما في هذه المنطقة من العالم، دعونا نستمع لأصدقاء أميركا وهم كثر بالمناسبة. لكن أحدا لا يستطيع أن ينطق بحرف لسبب بسيط. فسياسة أميركا في ظل بوش لم تكن تعني أكثر من هذه المفردة: «الإذلال».

إذا كان الأميركيون يتساءلون عن السبب الذي أوصل العالم لسابقة أولى في اهانة رئيس أميركي (بكل ما يمثله من كبرياء وطني) على هذا النحو الصارخ، فان السبب بسيط: الزيدي لم يفعل شيئا سوى أنه رد على «الإذلال» بتصرف من نفس نوعية سياسة إدارة بأكملها ومن نفس طينة تصرف جيش بأكمله في العراق. بل ان الإذلال هو الشعور الوحيد الباقي في علاقة العرب والمسلمين وأميركا منذ سنوات طويلة، وحذاء الزيدي قد يكون رد فعل متأخر بحساب الزمن.

m.alobaidley@gmail.com