إن تجربة دولة الإمارات هي ملحمة تاريخية تستحق الدراسة والتأمل. فهي أول كيان اتحادي في المنطقة العربية يكتب له الاستمرار والنجاح. ومع أن دول الخليج عند قيام هذا الكيان الاتحادي، وعلى وجه الخصوص الإمارات المتصالحة.
كانت أقل دول المنطقة العربية تمدناً وتطوراً وأدناها تعليماً وأضعفها بنياناً وإدارة إلا أن إيمان هذا الشعب وقادته بالاتحاد وإصرارهم على المضي في المسيرة التي خطت في الثاني من ديسمبر عام 1971 جعل هذا الاتحاد حقيقة قائمة حتى يومنا هذا حين أخفقت تجارب أخرى كانت فرص نجاحها أوفر وأكثر من اتحاد الإمارات.
وبمرور هذه السنين فقد انقضى جيل كامل من أبناء هذا الوطن ودخلت المسيرة جيلها الثاني. وخلال هذه السنين تطور المجتمع الإماراتي بوتيرة لم تشهد لها المنطقة مثيلاً سواء من حيث التطور العمراني والحضري أو من حيث مستوى التعليم والثقافة أو من حيث التمدن المجتمعي.
كما عاصرت التجربة الاتحادية أحداثاً ومشاهد أنضجتها وأكسبتها أبعاداً ورؤى لم تكن قائمة عند نشأة الاتحاد. وهذه الأبعاد والرؤى تستدعي وقفة لمراجعة ملامح المسيرة الاتحادية وتوجيه دفتها بما يضمن استمرارها على نفس النسق وبذات الوتيرة التي عايشناها حتى الآن .
ولقد جاءت التعديلات الدستورية التي أقرها المجلس الأعلى للاتحاد مؤخراً لتدشن مرحلة جديدة من مسيرة النمو التي يشهدها الاتحاد. ولا تعني مثل هذه المراجعة خطأ الأولين أو صواب المتأخرين. وإنما هي مراجعات تمليها تطورات الزمن وتراكم الأحداث والتجارب ونمو المجتمعات.
فجيل الآباء المؤسسين للاتحاد وضعوا تصوراتهم ورؤاهم حول الكيان الاتحادي وما يجب أن يكون عليه هذا الكيان وضمنوها في نصوص الدستور الصادر عام 1971. ولقد تجلت حكمة وبصيرة الآباء المؤسسين حينما أدركوا أن ما توصلوا إليه في نصوص الدستور قد لا يكون منتهى آمالهم وطموحاتهم وأماني شعوبهم .
وإنما هي أقصى ما كان يمكن الوصول إليه في ظل الظروف والأوضاع القائمة حينها وأنه مع تطور المجتمع الإماراتي فإنه سيكون مهيأ لصور أخرى من الروابط والوشائج التي تحكم العلاقة بين أعضائه وتضمن تطوره ونموه. ومن هنا جاءت ديباجة الدستور لتفصح عن هذه المرحلية بنصها على.... إرساء قواعد الحكم الاتحادي خلال السنوات المقبلة على أسس سليمة، تتماشى مع واقع الإمارات وإمكاناتها في الوقت الحاضر.
وتدرك الديباجة أن المجتمع الإماراتي في أوائل السبعينات كان لا يزال في طور التمدن فنصت الديباجة على أن من أهداف الحكم الاتحادي أن «تعد شعب الاتحاد في الوقت ذاته للحياة الدستورية الحرة الكريمة» وتتجلى نظرة التواضع التي تحلى بها الآباء حينما نصوا على أنه «إلى أن يتم إعداد الدستور الدائم للاتحاد نعلن.. موافقتنا على هذا الدستور المؤقت....». وهذه الحكمة وهذه الواقعية التي مكنت هذا الكيان من الاستمرار في المسيرة والتأقلم مع المستجدات والظروف .
واليوم قد يرى جيل القادة الأبناء أن الظروف والمتغيرات التي مرت على الاتحاد خلال السنوات المنصرمة تستدعي نظرة جديدة للمسائل الاتحادية. نظرة تستوجبها متغيرات الزمان ومستجدات الأحداث والنضج الاجتماعي والإداري والخبرة المتراكمة لمكونات الكيان الاتحادي. ولا أدل على ذلك من تجربة الانتخابات النيابية التي شهدتها الدولة منذ سنتين وهي تجربة لم تكن لتنجح لولا نضج الظروف المجتمعية المهيأة لها.
وإذا تمعنا في قراءة نصوص الدستور لرأينا أن هناك رسماً دقيقاً للعلاقة بين ما هو محلي وبين ما هو اتحادي وبين ما يمارسه الاتحاد ويختص به وبين ما يمارسه المحلي ويختص به حتى أن الدستور قد أورد باباً كاملاً لتوزيع الاختصاصات بين الاتحاد والإمارات.
واليوم ومع تراكم التجارب والممارسات الميدانية ومع ما عايشه الكيان الاتحادي على أرض الممارسة فإن هذه العلاقة قد تحتاج إلى تأصيل وتأطير بما يخدم هذا الكيان ويعزز أركانه ويحقق أهدافه.
إذ ليست العبرة في التموضع في إطار محدد بقدر ما هو التحلي بالمرونة اللازمة للتوافق مع المتغيرات والمستجدات فبعض هذه الاختصاصات قد تجلت اليوم في واقع جديد قد يكون أكثر قدرة على تحقيق أهداف الاتحاد في توفير الحياة الكريمة لمواطنيه وتحتاج بالتالي إلى أن تنظم في إطار يتماشى مع هذه الرؤية .
فهناك وقائع استجدت على أرض الواقع لا تجد انعكاساً لها في نصوص الدستور بصيغته الحالية الأمر الذي أوجد نوعاً من الانفصام غير الجائز بين نصوص الدستور الذي صيغ منذ أكثر من جيل كامل وبين معطيات الواقع اليوم.
ومثل ذلك أيضاً مسائل عديدة يطرق بابها التطوير كعدد أعضاء المجلس الوطني الاتحادي وصلاحيات أعضائه وطرق اختيارهم. وهذا الأمر يفرض علينا مراجعة لنصوص الدستور بما يترجم أهداف الاتحاد في المرحلة القادمة ويعكس تصورات القادة لهذه المرحلة.
ولا يفهم من ذلك أن هذه دعوة لتغليب المحلي على الاتحادي إذ إن مثل ذلك لا يكون. فالاتحاد هو الأصل وهو الغاية التي نسعى إليها والمصير الذي ننتمي إليه. والمحلي يجب أن يكون رافداً للاتحادي وداعماً له ومحققاً لأهدافه وإنجازاته.
بل إن ما ندعو إليه هو المواءمة بين نصوص الدستور باعتباره الإطار التشريعي الأعلى للاتحاد وبين المسيرة التي نريدها لاتحادنا حتى تكون هذه المسيرة نابعة من هذا الإطار وقائمة على أرض صلبة من التأصيل التشريعي على نحو يحيط بهذه المسيرة ويؤهلها للمرحلة القادمة من عمر الاتحاد.